بالملإ الأعلى حيث يصفّون فى الصلاة كصفوف المؤمنين فى الصلاة ، وفى الآية : (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ) (١٦٥) وصف الملائكة أنفسهم بأنهم يصفون فى حضرة الله كصفوف أهل الدنيا ، وفى الرواية أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم؟» قالوا : وكيف تصفّ الملائكة عند ربّهم؟ قال صلىاللهعليهوسلم : «يتمون الصفوف المتقدمة ، ويتراصون فى الصف». والزاجرات عطف على الصافات ، فإذا اصطفوا وأدّوا صلواتهم قاموا إلى أعمالهم ، يزجرون ، كأن يزجروا الناس عن المعاصى فيوحون لهم بالخير ، وينهونهم عن الشر ، فإذا أدّوا أعمالهم انصرفوا يتلون أذكارهم ، كقوله تعالى : (فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً) (٥) (المرسلات) ، وكأنه تعالى يدعو المؤمنين أن يتشبّهوا بهم ، فيصطفون للصلاة ، ثم ينصرفون للأعمال ، ثم يتفرغون للذكر ، فهؤلاء الأسوة أقسم بهم لذلك ، إظهارا لعظم شأنهم ، وتنبيها لجلال قدرهم ، والمقسم عليه أنه تعالى لا إله إلا هو ربّ السماوات والأرض وما بينهما ، وربّ المشارق ، كقوله تعالى : (فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ) (٤٠) (المعارج) ، أى مطالع الشمس ومغاربها ، وقوله : (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) (١٧) (الرحمن) للشمس وللقمر ، وللشتاء وللصيف. وكان الكفار بمكة قد قالوا : أجعل محمد الآلهة إلها واحدا؟ وكيف يسع الخلق فرد إله؟! فأقسم الله بهؤلاء تشريفا ؛ والملائكة هم الملأ الأعلى ، فلما تحدّث عنهم انتقل إلى الحديث عن الشياطين كمقابل للملائكة ، فقال إن الكواكب فى السماء ثلاثة : رجوم للشياطين ، ونور يهتدى به ، وزينة للسماء الدنيا ؛ وأن السماء تحرسها الكواكب عن استراق الشياطين السمع ، والشياطين هم المسمّون المردة ، والمفرد مارد ، أى العاتى ، ومن عتوّه سمّى شيطانا ، والشياطين يحظر عليهم التنصّت : (إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ) (٢١٢) (الشعراء) ، ويرمون لذلك من كل جانب بالشّهب تدحرهم وتطردهم. ومن خلق كلّ ذلك ، أليس بقادر على النشأة الثانية ـ أى البعث؟! ومن عجب أن من هو مخلوق من طين لازب ، هو الذى يسخر من الخالق سبحانه وينكر البعث؟ وإذا ذكّر بالقرآن ـ كلام الله تعالى ـ أعرض ونأى؟ وإذا نبّه إلى إحدى آيات الله ومعجزاته فى الكون استسخر ، ووصم ما يرى بأنه سحر وتهاويل وتخييلات وخداعات؟! ودعواه : أئذا متنا فهل نحن بمبعوثين؟ وهل يبعث آباؤنا الأولون؟ وإنما هى زجرة وصيحة واحدة ـ هى النفخة الثانية فى الصور ، سميت زجرة لأنها تزجرهم وتسوقهم كالإبل ، فإذا هم قيام ، شاخصة أبصارهم ، لا يصدقون أن ذلك هو البعث الذى أنكروه ، فيتنادون بالويل وقد أدركوا أنه يوم الدين والحساب والفصل ، يفصل فيه بين الناس فريقين : (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) (٧) (الشورى) ، وفريق النار فيه المنكرون ، والغاوون ، والمجرمون ، وكانوا جميعا
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
