المؤمنون من طيب العيش ، وما يعذّب به الكافرون ، وتنبّه إلى أن الله كان يمكن أن يطمس على أعينهم فى الدنيا جزاء وفاقا ، ولكنه يتركهم ليطول عمرهم ، ويسوء حالهم ، ثم يكون الحساب فى الآخرة. وتعرض الآيات للقرآن ، وتنفى أنه قول شاعر ، فما يجوز الشعر للنبىّ صلىاللهعليهوسلم ، وإنما هو قرآن نذير ، يذكّرهم بنعمه تعالى عليهم ، ويلومهم على عبادة من لا يستطيعون نصرهم ، ويخاطب الرسول صلىاللهعليهوسلم حتى لا يحزن عليهم ، فهذه هى حال الإنسان ، ما كاد يخلقه من نطفة حتى تحوّل خصيما له تعالى ، وتعلّل لجحده وإنكاره للبعث ، بأن العظام بعد أن تصبح رميما لا تدبّ فيها الحياة ، ونسى خلقه ، فقد كان حفنة من طين ، ونطفة من منىّ ، فصار ما هو عليه ، أفيعجز من صنعه أن يعيده سيرته الأولى؟ وهو تعالى القادر ، يجعل من الشجر الأخضر نارا مع أنهما متناقضان ، وخلق السموات والأرض ، فالسماوات فى العلا ، والأرض فى الدنا ، أفلا يستحق أن يسمّى الخلّاق والعليم؟ وأمره فيما يخلق أن يقول له كن فيكون ، سبحانه. والسورة حافلة بالبراهين والأدلة على وجود الله وقدرته ، وبصور البلاغة ، وتكثر بها المطابقات والجناس والاستعارات ، وتستخدم منطق المتقابلات والمتناقضات ، كالماء يطفئ النار ، واقتداح النار من الشجر الأخضر ، وحال السعداء ونقيضه حال الأشقياء ، والموت ونقيضه الإحياء ، والإنذار كمقابل للإعذار ، وفيها الاستفهام الإنكارى للتوبيخ ، كقوله : (أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً) (٢٣) ، و (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ) (٧٧) ، و (أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ) (٦٢). ومن محاسن وعظمة البلاغة فيها القصة الموجزة لأهل القرية ، يقصد بها التذكير والاعتبار ، فلم يذكر اسم البلدة ، ولا اسم المؤمن بها ، ولا الرسل المبعوثين إليها ، فيحتمل أنها قرية بعينها ، وربما هى الدنيا بأسرها ، أرسل الله لأهلها موسى ثم عيسى ، وأخيرا محمد ، فما آمن إلا القليل. وفى السورة نفى عن الرسول صلىاللهعليهوسلم أنه يقول الشعر ، فما كان شاعر ، وما كان القرآن بشعر ، لأن الشعر كلام منمّق ، وكله خيالات ومبالغات ، وليس كذلك القرآن ، والشّعر أعذبه أكذبه ، والقرآن تنزّه عن مماثلة كلام البشر.
* * *
٦١٨. سورة الصافات
السورة مكية ، وآياتها اثنتان وثمانون ومائة ، وكان نزولها بعد سورة الأنعام ، وترتيبها فى المصحف السابعة والثلاثون ، وفى التنزيل السادسة والخمسون ، وسميت «الصافات» لأنها بدأت هكذا : (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِراتِ زَجْراً (٢) فَالتَّالِياتِ ذِكْراً (٣) إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (٤) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ) (٥) ، وهذا قسم بالملائكة يذكر
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
