القيامة ، والذين اتقوا وأحسنوا فى الدنيا لهم فيها حسنة وفى الآخرة حسنة. ولا عذر لمن يشرك فقد أناط بكل أمة رسولا ، ولكنهم أصرّوا على الإنكار وأقسموا أن لا بعث ولا حساب ، وهو الله له المشيئة ، وما يريده يكون ، وما كان الرسل إلا رجالا يوحى إليهم. وهذا الذكر نزّل على النبىّ صلىاللهعليهوسلم ليبيّن للناس ، ولا يأمن الذين يحتالون على محاربة الإسلام ، أن يخسف الله بهم الأرض كما خسف بقارون ، أو يأتيهم العذاب كقوم لوط من حيث لا يشعرون ، وما هم مسابقين لله ولا فائتيه ، وهم له داخرون وصاغرون. ولقد دعاهم أن لا يتخذوا إليهن ، فإنما هو إله واحد ، الطاعة له واجبة أبدا ، ويجعلون له البنات سبحانه ، ولهم مثل السوء ، ولله المثل الأعلى ، ويجعلون له ما يكرهون. ولو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة ، والذين لا يؤمنون بآيات الله إنما يفترون الكذب. وتتابع السورة تذكّر الناس بنتيجة الكفر بالله وبنعمه وآياته ، وعدم القيام بشكره ، وتحذرهم العاقبة ، وتضرب المثل بإبراهيم ، فقد كان أمة قانتا لله حنيفا ، قد جمع الخير كله فيه ، وأطاع الله وهجر كل ملة إلا الإسلام ، وكان من الشاكرين ، فاجتباه وهداه ، وأوحى إلى محمد أن يتّبع ملّته ، وأن يكون حنيفا مثله فلا يشرك بالله ، ولا يدين إلا بالإسلام. وتختم السورة الكريمة بأمر الرسول صلىاللهعليهوسلم بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، وإذا جادل الكافرين أن يجادلهم بالتى هى أحسن ، أى بالمنطق ، وإن يعلّم المؤمنين أن لا يعاقبوا إلا بمثل ما عوقبوا به ، ولو صبروا لكان خيرا لهم ، ثم يأمر نبيّه صلىاللهعليهوسلم أن يصبر ولا يحزن عليهم ، ولا يك فى ضيق مما يمكرون ، فالله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.
وفى السورة من أقواله تعالى : (أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) (١) يخبر بالماضى عن المستقبل ، لأنه آت لا محالة ؛ وقوله : (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ) (٢) ، الروح هى الوحى ، وهى النبوة ، ونظيره قوله : (يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ) (غافر ١٥) ؛ وقوله : (الْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ) (٥) يدلّ على لباس الصوف ، وقد لبسه رسوله صلىاللهعليهوسلم والأنبياء قبله. وفى حديث المغيرة عنه صلىاللهعليهوسلم أنه غسل جبّة من صوف شامية ، والحديث أخرجه مسلم ، والصوف من الأنعام شعار المتّقين ، ولباس الصالحين ، وشارة الصحابة والتابعين ، واختيار الزهّاد والعارفين ، ويلبس ليّنا وخشنا ، وجيدا ومقاربا ورديئا ، وإليه تنسب الصوفية ، لأنه لباسهم فى الغالب ؛ وقوله : (وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ) (٩) يبيّن أن المشيئة لله تعالى ويردّ على القدرية ، وهو تعالى قد شاء أن يكون للإنسان الخيار ، وقد هداه النجدين والسبيلين : الخير والشر ، وبناء على حرية اختياره تكون مسئوليته ، وأما التكاليف فهو مأمور بها لأنه بدونها لا يكون الاجتماع الإنسانى ، ولا تصلح
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
