نجران يستدل بإحياء عيسى للموتى بأنه الله ، فأنزل الله الخطاب على النبىّ صلىاللهعليهوسلم يقول : (قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (٢٦) ، إخبارا له ولأمة الإسلام : بأنه تعالى المنفرد بالإحياء ، فلو كان عيسى إلها ، لكان له هذا مع نفسه على الأقل ، أو مع قريبه النبىّ يحيى ، فلا هو استطاع أن ينجّى نفسه ، ولا استطاع أن ينجّى يحيى. وفى السورة أنزل الله تعالى أمره أن لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، ولا يتخذوا بطانة منهم ، وأوضح أن اتباع النبىّ صلىاللهعليهوسلم هم اتباع له تعالى ، فمن كان يحب الله فليحب نبيّه صلىاللهعليهوسلم ، وليطعه.
وكان وفد نصارى نجران ستين راكبا ، فيهم أربعة عشر من أشرافهم ، ثلاثة منهم كانوا من أكابرهم ، قيل أن أسماءهم : «عبد المسيح» ـ وكان أميرهم وصاحب الرأى فيهم ، و «الأيهم» ـ وكان صاحب مجتمعهم ، «وأبو حارثة بن علقمة» أسقفهم وعالمهم ، وتكلم الثلاثة مع النبىّ صلىاللهعليهوسلم إثر صلاته العصر ، واستمروا معه يناظرونه أياما ، فمرة يقولون عيسى هو «الله» ، لأنه كان يحيى الموتى ، ومرة يقولون «ابن الله» لأنه لم يعرف أن له أبا من البشر ، ومرة يقولون هو «ثالث ثلاثة» حيث أن الله عند ما يتكلم عن نفسه يقول : «فعلنا وقلنا» ، ولو كان واحدا لقال : «فعلت وقلت» ، فقال لهم الرسول صلىاللهعليهوسلم : «ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ويشبه أباه»؟ قالوا : بلى. قال : «ألستم تعلمون أن ربّنا قائم على كل شىء يكلؤه ويحفظه ويرزقه؟ فهل يملك عيسى شيئا من ذلك»؟ قالوا : لا. قال : «ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء ، فهل يعلم عيسى شيئا من ذلك إلا ما علم»؟ قالوا : لا. قال : «ألستم تعلمون أن ربّنا لا يأكل الطعام ، ولا يشرب الشراب ، ولا يحدث الحدث ، وأن عيسى كان يطعم الطعام ، ويشرب الشراب ، ويحدث الحدث»؟ قالوا : بلى. فقال : «فكيف يكون كما زعمتم»؟ فسكتوا ، وأبوا إلا الجحود ، فكان أن دعاهم الرسول صلىاللهعليهوسلم إلى المباهلة أو الملاعنة ، فيجتمعون ويقولون : لعنة الله على الظالم منا» ، فأول حوار بين الأديان ، مما يقولونه الآن سبق إليه الإسلام والقرآن.
وقيل المباهلة من الابتهال إلى الله لإظهار الحق ، والدعاء أن يلعن الكاذب من الطرفين المتحاجّين المتباهلين ؛ وقيل إن المباهلة ، من البهل أى اللعن ، والآية : (فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ) (٦١) من أعلام نبوة محمد صلىاللهعليهوسلم ، لأنه دعاهم إلى المباهلة فأبوا منها ، بعد أن أعلمهم كبيرهم أنهم إن باهلوه كان النبىّ صلىاللهعليهوسلم هو الفائز ، فتركوا المباهلة ، فدعاهم إلى «كلمة سواء بينهم» : (أَلَّا
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
