والمتّبع فى هذه التوراة التى بين أيدينا ، أن مؤلفها فيما يزعمه منسوبا إلى الله ، يذكره مسبوقا ب «قال الله» ، وما يزعمه منسوبا إلى موسى يذكره مسبوقا ب «قال موسى» ، فعبّر عن الله وعن موسى بصيغة الغائب ، ولو كانت التوراة من تصنيف موسى لكان عبّر عن نفسه بصيغة المتكلم ، والذى يشهد عليه الظاهر أن هذه التوراة لا هى من وحى الله ولا بإلهامه ، ولا هى من تصنيف موسى ، وإنما من وضع الوضّاعين ، ودليلنا ما فيها من تعارض وتخالف ، وما حوته من أقوال عن الله لا تصدر عن الله ، وما نسب منها إلى موسى ولا يمكن أن يصدر عن موسى ، لما فى ذلك من معارف ومعلومات وأسماء وأماكن لم يعلمها موسى ، وما كانت قد حدثت فى زمنه بعد! وعلى عكس ذلك القرآن فالمعارف والمعلومات والقضايا والمسائل والأسماء والأماكن فيه ، كلها تناسب وقتها ، ولا تعارض أبدا ما سيكشف عنها فيما يلحق من الأزمان. وما ينسب إلى الله فى القرآن ، هو أليق وأنسب إليه تعالى وليس محل نقد. وما ينسب من نقد إلى النبىّ صلىاللهعليهوسلم ، ما كان يمكن أن يتنزّل ويعلن على المسلمين فى نفس الوقت ليبقى على مرّ العصور ويتلى بينهم ، لو كان النبىّ صلىاللهعليهوسلم هو واضع القرآن. والقصص فى القرآن منه الكثير فى التوراة ، وما فى التوراة فيه كلام يسيئ إلى الأنبياء ويظهرهم كعامة الناس وأنهم ضد الفضائل ، وليس فى القصص فى التوراة أية مواعظ أو دروس فى الأخلاق ، والأمر بخلاف ذلك تماما فى القرآن ، فالقصص القرآنى مقاصده عالية وراقية وسامية ، ولم يأت اعتباطا وإنما لأن له إحالات إلى الواقع فى حياة المسلمين أيام الرسول صلىاللهعليهوسلم. والقصص والأحكام فى التوراة ، من الواضح أن مؤلفها لا يمكن أن يكون قبل زمن داود ، ولا بعد زمن حزقيال ، وأنها كتبت فى كنعان أو أورشليم ، وليس فى الصحراء بتصنيف موسى. ومن المعوّل عليه فى التأليف أيا كان ، أن المؤلف لو كان يكتب عن حالات ، وعن مواقف وأحوال تخصّه ، أو عاينها بنفسه ، فإنه يكتبها بحيث يظهر أنه هو نفسه الكاتب وليس غيره. وموسى فى هذه التوراة التى بين أيدينا يظهر بجلاء أنه ليس كاتبها ، وإنما آخرين يكتبون عنه ، ولو كانت عبارة واحدة قد صدرت عن موسى بصيغة المتكلم لكانت للتوراة اعتبارات أخرى ، وإنما كل ما جاء بها عن موسى تسبقه هذه العبارة : قال موسى. ويزعم علماء اليهود أن الذى كتب ذلك عن موسى هو نبىّ مثله يروى عنه ، وأنه يلحق بكلام موسى كلاما من عنده ، أى من عند هذا النبىّ ، وذلك ادعاء لا يسنده برهان ، لأنه ما كتب نبىّ أنه ألحق هذه الفقرة أو تلك بالباب الفلانى ، ولا كتب أن غيره كتب ذلك ، ولم يثبت ذلك بالدليل. وأسلوب الكلام فى التوراة وفى غيرها من الكتب واحد ، ولا فرق بينها فى ذلك ، وكان الأحرى أن يكون هناك فرق فى الأسلوب بحسب الفرق فى الزمن ، وقد يبلغ
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
