٤٧٢. كيف يقال للكفار «وأنتم تعلمون» مع وصفهم
بالختم والطبع على القلوب وبالصمم والبكم والعمى؟
هذا كلام المستشرقين وأهل الكتاب ، قالوا : القرآن وصف المنكرين له بأن الله ختم على قلوبهم وسمعهم (الجاثية ٢٣) ، وعلى أفواههم (يس ٦٥) ، وطبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم (النحل ١٠٨) ، فهم صم بكم عمى ، لا يرجعون الى علم ولا عقل (البقرة ١٨) مع ملاحظة أن قوله تعالى : «وأنتم تعلمون» تأتى فى القرآن ٥٦ مرة خطابا ، فكيف يستقيم ذلك؟ أليس القرآن يعارض بعضه بعضا؟ وكيف يكون لديهم العلم مع أنهم صمّ بكم عمى؟ والجواب من وجهين ، أحدهما : أن «وأنتم تعلمون» يشير بها إلى العلم العام عند البسطاء ، فهم يعلمون أنه تعالى خلق الخلق ، وأنزل الماء ، وأنبت الرزق ، ولكنهم لا يعبدونه كمنعم ليس له كفء ولا ند ، فهم يقولون بطريقة عفوية تقليدية نحمد الله ، لمّا حاروا ولم يدروا جوابا ، وعموا عنه كمعبود أوحد ، فلم يعملوا العقل ، وأخذوا بالتقليد ، وأشركوا كآبائهم ، وعبدوا الأصنام والأوثان ، كفعل المشركين والنصارى الذين قالوا بثلاثة آلهة ، وكفعل اليهود الذين ألّهوا أسلافهم ، ورفعوا شعبهم مكانا عاليا ، حتى صاروا يتعبّدونه دون الله. والثانى : أن علمهم بالله هو علم بالإمكان ، أى لو استخدموا عقولهم وتدبّروا ونظروا ولم يقلّدوا ، لأمكنهم أن يعلموا ، وفى ذلك أمر باستعمال حجج العقول وبإبطال التقليد. فهؤلاء وأولئك قد يوصفون بالختم والطبع على القلوب إلخ وإن كانوا يعلمون ، فعلمهم هو علم السذّج ، أو علم التقليد الذى مضمونه الشرك أو الإلحاد والكفر ، وهو علم لا يفيدهم ويضرّهم أكثر مما ينفعهم.
* * *
٤٧٣. هل تتعارض بعض آيات القرآن؟
مثل الآية : (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ) (٢٤) (فاطر) ، والآية : (لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ) (٦) (يس). فالأولى : تثبت النذير لكل أمة ؛ والثانية : تقرّ بأن هؤلاء القوم ما أنذروا من قبل ، يعنى لم يكن لهم نذير ، والآيتان من ثم تتعارضان؟ فهل القرآن تتعارض آياته؟ والجواب : أنه لا تعارض البتة بين الآيتين ، فالأولى : تتحدث عن الأمم ، وأن لكل أمة نذير ، كقوله : (إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ) (٧) (الرعد) ، وقوله : (وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً) (٣٦) (النحل) ، والآيات فى هذا كثيرة ؛ والثانية : الخطاب فيها للنبىّ صلىاللهعليهوسلم ، والإخبار فيها عن آبائه صلىاللهعليهوسلم من أمثال أبى جهل ، فما من نذير قد جاءهم من قبل ، وبقية الآيات بعد هذه الآية تروى عنهم ، وأنه لا فائدة من إنذارهم ، وإنما الإنذار
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
