وامتناع التحيّز عنه لا يمتنع مع وجوده ، والقول بصفات متقابلة عن الله تعالى لا يفيد التناقض ، فلصفاته تعالى مظهران : الأول يظهر لنا فى عباده ، والثانى هو المنسوب إليه تعالى. وفى القرآن الآية : (قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ) (١٤) (التوبة) ، فالتعذيب منسوب لله من خلال أيدى العباد ، والآية : (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ) (١٠) (الفتح) تعنى أن البيعة وإن كانت فى ظاهرها للنبىّ فإنها فى الحقيقة لله الذى يدعو إليه النبىّ ، والآية : (وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى) (١٧) (الأنفال) تنسب فعل الجوارح إليه تعالى وإن كان الفاعل هو النبىّ صاحب الجوارح ، وليس فى ذلك تشبيه لله ولا تجسيم له ، وإنما جاء التعبير القرآنى تأنيسا للقلوب ، وتقريبا للأفهام. ومع ذلك يطعن الملاحدة فى القرآن لاشتماله على هذه المتشابهات ، وكانت فرصة هيأت لكل صاحب مذهب أن ينسب مذهبه إلى القرآن ويستشهد به ، فالجبرى يتمسك بآية مثل : (وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً) (٢٥) (الأنعام) ، والقدرى يتمسك بالآية : (وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ) (٥) (فصلت) ، والآية : (وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ) (٨٨) (البقرة) ، بمعنى أن الكفر لم يفرضه الله عليهم وإنما اختاروه لأنفسهم ؛ وكذلك يتمسك منكرو الرؤية بالآية : (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ) (١٠٣) (الأنعام) ، بينما المثبت للرؤية يتمسّك بالآية : (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ) (٢٣) (القيامة) ، ومثبت الجهة يدفع عن نفسه بالآية : (يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ) (٥٠) (النحل) ، ورافض الجهة حجته مطلق الآية : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (١١) (الشورى) وكل واحد من هؤلاء لديه ما يحتج به من القرآن ، وكان من المفروض أن هؤلاء جميعا يردّون المتشابه إلى المحكم على القواعد اللغوية ، وعلى ما تواضع العرب عليه ، وعلى ما كان يفهمه الصحابة والتابعون من القرآن والسنة. والمحكم هو أم الكتاب ، والمتشابه مردود إليه ، ولا تنافى بينهما ، وكلّ له حكمه وله مزاياه ، ومزية المحكم أنه أم الكتاب وترد إليه المتشابهات ، ومزية المتشابه أنه اختبار لمدّعى الإيمان وابتلاء للمؤمن ، وشحذ لهمة العالم ليقدح ذهنه ، ويوسّع فهمه ، ويعمل اجتهاده. واللجوء لتأويل المتشابه ليس منطقيا وليس سليما موضوعيا ، وفى القرآن يأتى وصف التأويليين بأنهم : (فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) (٧) (آل عمران) ، يعنى أنهم يحكمون بالهوى فى تفسير القرآن ، وذلك الضرب من التأويل هو المنهى عنه ، وأما التأويل السليم فهو الذى يقوم على البرهان والحجّة ، وعلى الهداية والرشد. وكان الظاهرية تأويليين يصرفون ألفاظ المتشابه عن ظاهرها الموهم للتشبيه أو المحال ، وكذلك فعل الإسماعيلية والباطنية ، فقد اتّبعوا المتشابه ابتغاء الفتنة وضلّوا عن الصواب والحجّة والبرهان فأضلوا. نسأل الله الهداية وللمسلمين سواء السبيل.
* * *
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
