٤٦٩. «المحكم» و «المتشابه» فى القرآن ، ما هما؟
المستشرقون كثيرا ما يلغطون على القرآن ويسخرون من اضطراب معانى الآيات فيه ، ومن ذلك أنه قد ورد عن القرآن أنه : (كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ) (١) (هود) ، وجاء عكس ذلك أيضا : (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً) (٢٣) (الزمر) ، ثم ذكر فى القرآن الضّدان معا : (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ) (٧) (آل عمران) ، فقالوا : إن الآيات الثلاث متعارضة ، مع أنه لا تعارض هناك البتة ولكنه نقص معرفتهم باللغة : فالمحكم فى اللغة من الإحكام ، وهو المنع ، يقولون أحكم الأمر ، أى منعه أن يفسد ، وأحكمه عن الأمر أى منعه منه ، وحكم نفسه وحكم الناس ـ أى منع نفسه ومنعهم عمّا لا ينبغى ، وأحكم الفرس أى جعل له حكمة تشكمه وتمنعه أن يتهيّج ، وأتاه الله الحكمة ، أى المنعة أن يأتى السوء ؛ والمتشابه : هو المشاكل والمماثل المؤدّى إلى الالتباس ، تقول : تشابها ، واشتبها ، وأشبه كل منهما الآخر حتى التبسا ، وأمور مشتبهة ، ومشبّهة أى مشكلة ، والشبهة الالتباس ، وشبّه عليه لبّس عليه.
والقرآن فى الآيات الثلاث ، فيه المحكم ، وفيه المتشابه ، فالآية الأولى تدل على أنه كله محكم ، والآية الثانية أنه كله متشابه ، والثالثة أن بعضه محكم وبعضه متشابه ، والمعنى فى الآيات الثلاث واحد ، إلا أنه مرة يؤكد على جانب منه ، ومرة على جانب آخر وهكذا ؛ والإحكام يعنى أنه لا يأتيه باطل ولا خلل كالبناء المحكم المتين الرصين ؛ والتشابه يعنى أنه يشبه بعضه بعضا فى الإحكام ، فلا يفضل بعضه على بعض وإن خفى هذا الإحكام على الناس ، فلما كان بعضه ظاهر الإحكام ، وبعضه خفيا إحكامه إلا على المدقّق ، فلهذا كان بعضه محكم وبعضه متشابه.
والمحكم اصطلاحا يكون بهذا المعنى السابق الذى يقابله المتشابه ، وهو اصطلاحا أيضا يقابله المنسوخ. وسواء بهذا المعنى أو بغيره فالمحكم هو المنيع الذى لا يتطرّق إليه النسخ ، والذى ليس فيه التباس ، ومعناه واضح لا خفاء فيه ، ولا يحتمل إلا تأويلا واحدا ، ولا يتطرق إليه إشكال ، وترجح دلالته ، والمتشابه بخلاف كل ذلك ، وهو المقابل له.
* * *
٤٧٠. فإن كان «المحكم» هو الأفضل والأوضح فلما ذا «المتشابه» ، وما الحكمة فيه؟
نعلم أن المتشابه ما خفى مراد الشارع منه ، وقد يكون لفظا ، أو يكون معنى ، أو يكون لفظا ومعنى. والخفاء فى اللفظ مثل قوله تعالى : (وَفاكِهَةً وَأَبًّا) (٣١) (عبس) فما هو الأبّ؟ واللفظة كما نرى مفردة ، ومعنى الأبّ ما ترعاه البهائم ، وقد عرفنا ذلك من بقية الآية :
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
