صرفوا همّتهم عن معارضة القرآن؟ ولما ذا إذن كان القتال لو كانوا غير مهتمين؟ وربما يقال : إنهم لم يعادوا القرآن ولكنهم كانوا يعادون محمدا؟ والواقع يقول إن علاقتهم بمحمد لم تنقطع ، وإنما كان غضبهم من القرآن ، وثورتهم عليه ، فكان الأحرى بهم أن يعارضوه. وربما يقال : أن ما غاظهم من القرآن هو مخالفته لعقيدتهم بقطع النظر عن إعجازه؟ والجواب : أنه كان بينهم النصارى واليهود على غير دينهم فلم يهمهم ذلك ، وإذن فالسبب حقيقة هو القرآن نفسه ، وليس مخالفته لدينهم ، ولقد حاولوا أن يعارضوه وفشلوا ، لأن القرآن ليس بيانا فقط ، ولكنه علوم وفنون ، وتاريخ وأدب وقصص ، وتشريع وقانون ، وفيه من كل مثل ، فكيف يعارضونه؟! ولقد حاول المستشرقون أن يردّوا المعلومات فى القرآن إلى مختلف اللغات والحضارات ، فاستوجب ذلك أن يكون محمد قد أحاط بكل اللغات القديمة ، وقرأ كل المعارف والمؤلفات ، ووعى كل العلوم والآداب! وثبت لهم من ذلك أن القرآن يحتاج إلى مؤسسة علمية كبرى ، فيها من كل التخصصات ، وينتظم فى سلكها مئات من الخبراء ليكتبوا كتابا مثله. والقول بالصرفة إذن ـ أى بأنهم صرفوا همّتهم عن معارضة القرآن ، ولم يحفلوا بذلك ، عجز بواح لا شك فيه ، من نوع ما يقول به علماء النفس من «تبرير العجز» بأسباب واهية وغير علمية ، كلما أعوزهم السبب الحقيقى.
* * *
٤٦٨. البدعة والضلالة
فى القرآن أن الرهبانية ابتدعها النصارى ، كقوله تعالى : (رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ) (٢٧) (الحديد) ، أى كانت لهم بدعة ، والبدعة : لا تصدر إلا من البشر ، غير أنه لا بد أن يكون لها أصل فى الشرع أولا ، والرهبانية من ذلك ، فالاعتزال كان فى الدين ، فطوّروه إلى نظام الرهبانية ، فإذا كانت البدعة تحت عموم ما ندب الله إليه ، فهى فى حيّز المدح ، ويعضد هذا قول عمر : نعمت البدعة هذه! يقصد قيام رمضان ، لمّا كانت من الأفعال الحسنة وداخلة فى حيز المدح. وإن كانت البدعة خلاف ما أمر الله به فهى فى حيز الذّم والإنكار ، وفى الحديث : «وشرّ الأمور محدثاتها ، وكلّ بدعة ضلالة» أخرجه البخارى ، «فالبدعة الضلالة» : هى ما يخالف الكتاب ، أو السنّة ، أو عمل الصحابة ، وفى الحديث : «من سنّ فى الإسلام سنّة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده ، من غير أن ينقص من أجورهم شىء. ومن سنّ فى الإسلام سنّة سيئة ، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده ، من غير أن ينقص من أوزارهم شىء» أخرجه مسلم.
* * *
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
