الباب الرابع
٤٣١. الإسرائيليات والشبهات والإشكالات
* * *
الإسرائيليات : ما المقصود بها؟ ومن هم واضعوها؟ وهل أضرّت بالإسلام أم أنها أثرته؟ وهل هى مباحة ومسموح بها؟
والإسرائيليات مفردها إسرائيلية ، وهى الخبر يروى عن مصدر إسرائيلى ، والنسبة إلى «إسرائيل» المشهور باسم «يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم» ، والإسرائيليون ينسبون إليه ، وتنسب إليه مختلف الأقوال التى أدخلها المسلمون وغير المسلمين فى الإسلام ، عن مصادر أو مزاعم يهودية أو نصرانية ، حيث أن كتب «العهد القديم» هى المرجع لكل ما استدخله اليهود والنصارى على السواء. واشتهر عند الغيورين من الإسلاميين أن يطلقوا على جميع ما يستدخل من أفكار أو حوادث أو روايات يدسّها اليهود أو النصارى اسم الإسرائيليات ، ودأبت الكتب التى تناقش الإسرائيليات على أن تمايز بين ما كان منها صحيح فى إسناده ومتنه ، وما كان ضعيفا. ولكننا وقد تعلمنا اللغات ومنها العبرية ، وصارت لها كليات يتخرّج منها المئات من الطلبة والطالبات سنويا ، قد رجعنا إلى كتب التوراة والأناجيل فما وجدنا مما ينسب إليها أنه صحيح الإسناد أو المتن ، أنه صحيح فعلا ، ومن ذلك الكتب الثقات كالبخارى ، وفيه مثلا عن الآية : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً) (٤٥) (الأحزاب ٤٥) أنها فى التوراة : «يا أيها النبىّ إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا وحرزا للأميين. أنت عبدى ورسولى ، سمّيتك المتوكل ، ليس بفظّ ولا غليظ ولا سخّاب بالأسواق ، ولا يدفع السيئة بالسيئة ، ولكن يعفو ويصفح ، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء ، بأن يقولوا لا إله إلا الله ، فيفتح به أعينا عميا ، وآذانا صمّا ، وقلوبا غلفا» ـ ولا يوجد من ذلك شىء البتة فى التوراة!! وحتى ما ذكر فى أشعياء (٤٢ / ٤٠٠١) بعيد كل البعد! والحديث من الإسرائيليات ، لأنه يحيل إلى التوراة حتى لو كانت إحالته زائفة.
ومثال آخر عن الإسرائيليات ضعيفة الإسناد أو المتن ، هذا الحديث ، رواه ابن كثير عن كعب الأحبار وأبدى موافقته عليه : أن الملائكة اختاروا منهم اثنين ليهبطا إلى الأرض يرصدان ما يأتى البشر من الذنوب ، فاختاروا «هاروت وماروت» ، وحذّروهما أن لا يزنيا ولا يشربا الخمر ولا يشركا بالله. فما أمسيا من يومهما الذى أهبطا فيه حتى كانا قد ارتكبا كل ذلك! ـ وانتقد الكثيرون الإسرائيليات لمخالفتها للعقل ، وما كان أحرى بالمسلمين أن يعرضوا كل ما يقال على العقل أولا ، بدلا من الاكتفاء بتوثيقه عن طريق العنعنة والنقل عن الرواة الموثوقين.
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
