والفردية. وإذا قلنا إن الروح هى النفس يكون معنى الآية أنه بالنفخ تصبح لكل مخلوق ذاتية ، ـ وهى نفسه التى يحسّ بها ويستشعر ، ويتوهم ، ويتخيّل ، ويتصوّر. ويصبح الجسم وأعضاؤه وسائل للنفس ، وكذلك العقل ، فعند الوفاة يلحق الموت بالنفس ، لأن متعلق النفس بالجسد ، فإذا مات الجسد انتهى منه الإحساس ، وانتفى التعقل ، وكل نفس مقدّر عليها الموت ، كقوله : (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) (١٨٥) (آل عمران). والنفس ـ كما نعرف ـ يجرى عليها القتل ، كقوله تعالى : (مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ) (٣٢) (المائدة) ، والنفوس تتوالد ، كقوله : (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ) (٩٨) (الأنعام) ، وتعمل وتكسب وتوفّى ما عملت ، وتجزى بما كسبت ، وتجادل عن نفسها ، ولها وسعها. وبعض النفوس مطمئنة (الفجر ٢٧) ، وبعضها لوّامة (القيامة ٢). وفى الفرق بين الموت والنوم يقول تعالى فى النفس : (اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (٤٢) (الزمر) ، ويتوفاها أى يقبضها عند فناء آجالها ، فتخرج الروح من الجسد وتموت النفس ، وأما فى النوم فإن الروح ما زالت فى الجسد ، فالجسد حىّ ، ولكن النفس مقبوضة عن العقل ، وفى الحالتين فإن الله هو الذى يقبض الأرواح حين الموت ، ويقبض النفوس حين النوم ، ويطلقها عند اليقظة. وفى النوم دليل على أن البعث حقيقة ، لأنه مثلما يبعث النائم ، فكذلك يبعث الميت ، وفى الحديث : «كما تنامون فكذلك تموتون ، وكما توقظون فكذلك تبعثون» ، غير أن : ما يجرى للنفس لا يجرى للروح ، لأن النفس مائتة ، والروح لا تموت ولا تفنى.
* * *
٣٢٩. الله ودلائل وبراهين وحجج وجوده
لا شأن لأسفار التوراة الخمسة وهى : التكوين ، والخروج ، والأحبار ، والعدد ، وتثنية الاشتراع ، بأية أدلة أو براهين على وجود الله ، وموضوع هذه الكتب تاريخ بنى إسرائيل ، وتمجيد هذا الشعب ، والتأكيد على أنه شعب الله المختار ، وتحفل التوراة لذلك بالحروب شنّها ملوك وقضاة إسرائيل على شعوب الجوار ، والفلسفة التى تصدر عنها : أن شعب إسرائيل لا يمكن أن يكون له ولغيره العلو والتمكين فى الأرض ، فإما أن تكون السيادة للأمم ، وإما أن تكون لشعب إسرائيل ، وهم الصفوة ، ومن ثم هم الأولى بالحكم ، وأن تنعقد لهم السيادة على العالم. وهذه العنصرية هى نفسها التى بشّر بها المسيح ، فعنده أن الإسرائيليين أبناء الله ، وغيرهم من الأجناس خنازير ؛ وعند بولس فإن المسيحية حررت أبناء الأمة ، أى الأمم ، ومن لم يؤمن بأن المسيح ابن الله فهو لا يزال ابن الأمة ولم يصبح بعد
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
