وقيل : إن المتمسّكين بالكتاب والسنّة مقلّدون ، وهذا خطأ ، لأنه فرق بين من يقلّد من كان على الحق وبين من يقلّد من كان على الباطل ، وقد أثنى الله على يوسف لمّا قال : (إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ) (٣٨) (يوسف) فهو مقلّد ولكنه فى الحق ، والحق أبلج ، والمخاصمة والجدال بالدليل والبرهان من طرق القرآن.
* * *
٣٢٧. الإرادة غير الرضا
لا يرضى ربّنا لعبادة المؤمنين الكفر ، قال : (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) (٧) (الزمر) ، يخبر عن نفسه أنه الغنىّ عمّا سواه من المخلوقات ، كقوله تعالى فى الحديث : «يا عبادى ، لو أن
أوّلكم وآخركم ، وإنسكم وجنّكم ، كانوا على أفجر قلب رجل منكم ، ما نقص ذلك من ملكى شيئا» أخرجه مسلم ، فهو لا يريد الكفر أصلا من أى إنسان ، ولا يرضاه له ، فإن كفر فهو بإرادة هذا الإنسان ، والله يريد أن يكون كفر هذا الإنسان بإرادة هذا الإنسان وإن كان لا يرضى له بالكفر ، فهو يريد ما لا يرضاه ، وقد أراد الله تعالى خلق إبليس وهو تعالى لا يرضاه ، فالإرادة غير الرضا ، وهذا مذهب أهل السنّة. وهو تعالى يرضى الشكر من الناس ، ورضاه يعنى أنه يثيب عليه ، والرضا : إما أنه ثوابه تعالى ، فيكون صفة فعل ، كقوله : (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) (٧) (إبراهيم) ، وإما أنه ثناؤه تعالى على نفسه ، فهو صفة ذات.
* * *
٣٢٨. النفس والروح
الروح من أمر الله ، يقول تعالى : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً) (٨٥) (الإسراء) ، والإجابة كما ترى مبهمة ، لأن الروح شىء عظيم من شئونه تعالى ، ومن الغيب ، فكانت الإجابة مبهمة ليعرف الإنسان عجزه عن القطع عن علم حقيقة نفسه ، وحكمة ذلك تعجيز العقل عن إدراك معرفة المخلوق الأقرب إليه وهو الروح ، دلالة على أنه عن إدراك خالقه أعجز. والمراد بقوله تعالى : (وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً) هو العلم بالروح وما شابه ، سواء من الغيب أو عالم الشهادة.
وقال بعضهم الروح هى السّر الإلهى ، يقول تعالى : (ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ) (٩) (السجدة) ، فنسب الروح له ، وجعلها سرّه يودعه فى مخلوقاته فتكون لها به الحياة
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
