كقوله : (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ) (٢٦) (الفتح) ، والحمية هى الأنفة ، يقصد بها حمية الجاهلية ؛ وبالإنكار : كقوله : (قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ) (٢٢) (النحل).
والختم أو الطبع على القلوب يعنى عدم وعيها بأن للكون إلها ، ويخطئ من ينسب إلى الله تعالى أن الختم معنى يخلقه الله فى القلب ليمنعه من الإيمان به ، وإنما الختم يتأتى من معصية الله وتأثير ذلك على القلب ، وتتراكم التأثيرات حتى يكون القلب كأنما ختم أو طبع بها ، كقوله تعالى : (وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ) (٢٥) (الأنعام) ، يعنى مع طول كفرهم صنع الكفر للقلب مثل الكنّ ، أى الواقى ، فلم تعد المعانى تصل إلى القلب. وقوله تعالى : (نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ) (١٣) (الحجر) ، يعنى أن الكفر من شأنه إذا تسلل إلى القلب لم يعد القلب يؤمن ، فهكذا خلقه الله ، وهذه هى صفته ، وإذن فلا جبر ، بل اختيار ومسئولية. وأما هذه الأوصاف للقلب فهكذا خلقه الله ، أن يتأثر وينطبع ، ويضيق ، ويمرض ، ويقسو إلخ ، إذا سمح صاحبه للكفر أن يدخله ، وليست هذه الآيات إذن ردا على القدرية كما يدّعى البعض. والقلب كالكفّ ، يقبض منه بكل ذنب إصبع ثم يطبع ، وفى الحديث : «إن الرجل يصيب الذنب فيسوّد قلبه ، فإن هو تاب صقل قلبه» أخرجه الترمذى ، يعنى عاد لصلاحه ، فالسواد لم يكن قبل الذنب ولكنه بعد الذنب ، والله لم يصنع القلوب سوداء من البداية ، ولكنه جعل من صفاتها أنها تسوّد إذا أذنب صاحبها ، فالمسئولية على صاحبها وليست على الله ـ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. (انظر الكفر والكافرون ضمن باب الأسماء والمصطلحات).
* * *
٣٢١. إيمان المفلحين
يقرن الله تعالى الإيمان بالركوع والسجود ، قال : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (٧٧) (الحج) ، فجعل للإيمان أربعة أوجه ربط بينها ، فالركوع والسجود المراد بهما الصلاة المفروضة ، وخصّ «الركوع والسجود» تشريفا للصلاة ؛ وأما «عبادة الله» فهى توحيده وتعظيمه وامتثال أوامره ونواهيه ؛ و «فعل الخير» هو العمل الصالح شرط الإيمان الصحيح ؛ «وتفلحون» تفوزون ، والمفلحون هم الفائزون الناجون ، وإيمان المفلحين هو الإيمان المنجّى ، يدركون به ما طلبوا ، وينجون من ما منه هربوا.
* * *
٣٢٢. المؤمنون إذا أصابتهم مصيبة
من دلائل الإيمان الصبر عند المصائب ، يقول تعالى : (الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
