وورقها الطاعات ، وثمرها الثواب ، وحلاوة الثمر لمن كان الإيمان ملء حياته وقلبه وتفكيره ، فكلما زاد ذلك فيه كلما اشتدت حلاوة الإيمان. وفى الحديث : «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان ..» ومن هذه الثلاث : محبة الله ورسوله ، أخرجه البخارى والحديث يشبّه رغبة المؤمن فى الإيمان ، وطلبه له ، والشغف به ، بالرغبة فى الشيء الحلو ، يسعى إليه ، ويتكلّف له. وينقص الإيمان بنقص الصحة ، فكلما نقصت الصحة كلما نقصت قدرة المتذوّق على التذوّق ، وكذلك المؤمن لو نقص إيمانه ، ينقص تذوقه لحلاوة الإيمان. والاستعارة فى مجملها فى الآية والحديث تخيلية ، والتعبير بالمشاهد ، واللذائذ المحسوسة للإيمان ، إنما لتقريب المعنى. والمؤمن فى أول أمره قد يستثقل تكاليف الإيمان ، كالمريض قد تعاف نفسه الدواء ، ولكن عقله يفرض عليه تناوله ، فكذلك الإيمان يفرض أن يأخذ المؤمن بالأوامر والمنهيات فى الدين ، لأنهما لا يأمران ولا ينهيان إلا بما فيه الصلاح العاجل أو الخلاص الآجل ، والعقل يقتضى رجحان جانب يتمرس على الائتمار به ، فيصير هواه معه ، ويلتذ لذلك التذاذا عقليا ، وهو أن يدرك ما هو كمال وخير من حيث هما كذلك ويأمر بهما. وفى الآية والحديث إشارة إلى التحلّى بالفضائل والتخلّى عن الرذائل. ومحبة المؤمن كما فى الحديث ، شاملة لله تعالى ولرسوله صلىاللهعليهوسلم ، فمن أحبهما كانت لإيمانه حلاوة يتذوقها ويعرفها ، ومحبة الله فرض وندب ، والفرض : المحبة التى تحمل على الطاعات ، والندب : المحبة للنوافل وتجنّب الشبهات. وكذلك محبة الرسول صلىاللهعليهوسلم ، فرض وندب ، والفرض أن لا يتلقى المؤمن شيئا إلا من مشكاته ، ولا يسلك إلا طريقته ، والندب أن لا ينهج إلا نهجه ، ولا يتبع إلا سيرته ، ومن يجاهد نفسه على ذلك يجد حلاوة الإيمان. والحديث كما ترى أصل من أصول الدين ، كقوله : (وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ) (١٠٨) (البقرة).
* * *
٣١٧. مذهب الإحباطية فى الإيمان
يأتى عن الإحباط فى القرآن ست عشرة مرة ، وحبط بمعنى ذهب سدى ، وأحبط عمله أبطله ، وفى الآية : (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) (٥) (المائدة) فالكفر بالإيمان يحبط العمل ، والمؤمن لا يخشى شيئا بقدر خشيته أن يحبط عمله ، وكان أصحاب النبىّ صلىاللهعليهوسلم يعرضون أقوالهم على أعمالهم خشية أن يكونوا مكذّبين أو منافقين فتحبط أعمالهم ، أى يحرمون ثوابها ، لأنه لا يثاب إلا من يخلص العمل. والإحباطية أو أصحاب مذهب الإحباط يذهبون إلى القول بأن الإحباط إحباطان ، أحدهما : إبطال الشيء للشيء ، وإذهابه
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
