عليها ، كأن يقول المؤمن : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وأن كل ما جاء به حق ، وأبرأ من كل دين يخالف دين الإسلام ، فذلك هو المسلم ، فإن أظهر الكفر من بعد فهو مرتد : والناس على القول : أن أول الواجبات : الإيمان بالله ، وبرسوله ، وبجميع ما جاء به ، ثم النظر والاستدلال المؤديان إلى معرفة الله ، فيتقدم وجوب الإيمان على المعرفة بالله ، لأنه لو كانت المعرفة بالله مقدمة على الإيمان لأدّى ذلك إلى تكفير الناس ، فهل يعرف الله إلا القليل! فالنظر والاستدلال فى علم الإسلام ، ليس ما نقصد إليه فى علوم الفلسفة ، ولكنه نوع النظر والاستدلال اللازم للحياة ، ولقد عرف الأعرابى الله بالدليل والبرهان والحجة والبيان ، فقال : البعر تدل على البعير. ولمّا سأل الرسول صلىاللهعليهوسلم المرأة العجوز السوداء : «أين الله» قالت : فى السماء ، فقال لها : «من أنا»؟ قالت : أنت رسول الله صلىاللهعليهوسلم. قال : «اعتقها فإنها مؤمنة» ، فكان هناك نظر واستدلال ولكنهما من النوع البسيط المعروف باسم الإدراك البسيطcommon sense أو الفطرة ، فإن كان النظر والاستدلال عند العامة بسيطان ، فإنهما أعلى بكثير مما عند سائر الحيوان ، وذلك هو ما يميز الأحمق والمجنون من الإنسان العاقل ، والله تعالى بأبسط مقاييس النظر والاستدلال موجود ، والإيمان به واجب وضرورة ، ومن لا يؤمن بالله فهو الجاهل حقا ، والمحروم صدقا.
* * *
٣١٤. الكامل الإيمان
الآية : (أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) (٢٢) (الزمر) ، يشرحها الحديث لمّا سئل رسول الله صلىاللهعليهوسلم كيف ينشرح صدر المؤمن للإسلام؟ قال : «إذا دخل النور القلب انشرح وانفتح» فسئل : يا رسول الله ، وما علامة ذلك؟ قال : «الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافى عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل نزوله» ، فذكر صلىاللهعليهوسلم خصالا ثلاثة ، فمن كانت فيه فهو الكامل الإيمان ، لأن الإنابة : هى أعمال البرّ ، وما جعلت دار الخلود إلا جزاء لأعمال البر ، فإذا خمد حرصه عن الدنيا ، ولم يطلبها حثيثا ، وأقبل على ما يغنيه عنها فاكتفى وقنع ، فقد تجافى عن دار الغرور ، فإذا أحكم أموره بالتقوى ، وتأدّب فى كل شىء متثبتا حذرا ، يتورع عمّا يريبه إلى ما لا يريبه ، فقد استعد للموت. فهذه العلامات الثلاث هى علامات الإيمان الأكيد ، وما صار له هذا الإيمان إلا لمّا صار هكذا لرؤية الموت ، ورؤية الموت تدفع إلى الانصراف عن الدنيا ، والتعامل معها باعتبارها دار غرور ، وكل ذلك لا يصير إليه إلا بالنور الذى يلج قلبه إذا انشرح قلبه للإسلام.
* * *
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
