والله وحده عالم الغيب فإذا اطّلع أحد على شىء منه فإنما بأمره : (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ) (١٢٣) (هود) وهو تعالى : (عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ) (٩) (الرعد) ، و (عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً) (٢٦) (الجن) ، وهو (عَلَّامُ الْغُيُوبِ) (١٠٩) (المائدة). وغيب السموات والأرض كل ما غاب عن العباد فيهما ، وقد ينصرف المعنى إلى علم ما غاب فيهما ، وعلمه تعالى بالغيب والشهادة أى بما غاب عن الخلق وبما شهدوه ، فلا يظهر علمه إلا لمن ارتضى من رسول ـ قيل الرسول هو جبريل ، أو أنه يظهره لأنبيائه بما يدعّم موقفهم ويقوّيهم على رسالاتهم ، كقول يوسف : (وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ) (٤٩) (آل عمران) ، فهذه آيات جعلها الله معجزة يوسف ودلالته على النبوة. وقوله علّام الغيوب أى كان وما يزال ولن يزال عالما بالغيوب. وليس المنجّم ، ولا من يضاهيه ، كالذى يضرب بالحصى ، وينظر فى الكتب ، ويزجر بالطير ، كمن ارتضاهم الله من رسول فيطلعه على الغيب ، بل المنجم كاذب فى حدسه وتخمينه ، وما كان للنبىّ صلىاللهعليهوسلم منجّم. والذى يصدّق المنجّم فى مسائل الغيب كمن يتخذ من دون الله ندا أو ضدا ، وعن الرسول صلىاللهعليهوسلم : «اللهم لا طير إلا طيرك ، ولا خير إلا خيرك». ومما قال علىّ بن أبى طالب : أيها الناس ، إياكم وتعلّم النجوم إلا ما تهتدون به فى ظلمات البر والبحر ، وإنما المنجّم كالساحر ، والساحر كالكافر ، والكافر فى النار ، وقال : يا أيها الناس ، توكلوا على الله وثقوا به فإنه يكفى مما سواه.
* * *
٣٠٧. الحياء من الإيمان
فى الحديث : «الحياء شعبة من الإيمان» ، أى أثر من آثار الإيمان. وحقيقة الحياء خوف الذمّ بنسبة الشر إلى صاحب الحياء. والحياء فى محرّم واجب ، وفى مكروه مندوب ، وفى المباح عرفى ، وفى الحديث : «الحياء لا يأتى إلا بخير» ، وفى الخبر قيل : رأيت المعاصى مذلة ، فتركتها مروءة ، فصارت ديانة. يعنى انغرست فى النفس وصارت فطرة فيها. والمؤمن الذى يتقلّب فى نعم الله يستحى أن يستعين بها على معصيته ، وفى المثل : خف الله على قدر قدرته عليك ، واستحى منه على قدر قربه منك. وفى التنزيل : (إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها) (٢٦) (البقرة) ، أى لا يخشى ؛ وفى قوله : (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ) (٣٧) (الأحزاب) ، بمعنى تستحى ؛ وعن أم سلمة أنها جاءت إلى الرسول صلىاللهعليهوسلم تقول : إن الله لا يستحى من الحق ـ يعنى لا يأمر بالحياء فى الحق ؛ وفى التنزيل : (إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِ) (٥٣) (الأحزاب) إثبات أن الاستحياء علّة فى البشر ، ولكنه ليس فى الله تعالى.
* * *
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
