تعالى لرسوله صلىاللهعليهوسلم : (لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ) (٤) (الشعراء) فقد كان حريصا على إيمان جميع الناس ، فأخبره الله تعالى أن الإيمان ليس بالإكراه ولكن بالامتناع ، وليس قسرا ولكنه اختيار ؛ وباخع نفسك يعنى قاتل نفسك يا محمد لتركهم الإيمان ، ولو أراد الله للناس الإيمان إكراها لأنزل من السماء معجزة يذلّون بها ، ويلوون إليها أعناقهم إكبارا ورهبا ، وذلك هو إذلال الرقاب ، وإذا ذلت الرقاب ذلّوا.
* * *
٣٠٢. الإيمان : هل هو العمل؟
القائلون أن الإيمان هو العمل يدللون على قولهم بالآيات : (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (٧٢) (الزخرف) ، (فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) (٩٢) (الحجر) ، (لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ) (٦١) (الصافات) ، وهذه آيات عامة فى الأعمال ، وفى الحديث لمّا سئل صلىاللهعليهوسلم : أى العمل أفضل؟ قال : «إيمان بالله ورسوله» فدلّ على أن الاعتقاد والنطق من جملة الأعمال. فإن قيل وكيف الجمع بين هذا الحديث وتلك الآيات. والحديث الآخر الذى يقول : «لن يدخل أحدكم الجنة بعمله»؟ والجواب أن الثابت فى الآيات والحديث أن دخول الجنة بالعمل المتقبّل ، بينما فى الحديث الأخير نفى أن يكون دخولها بالعمل المجرّد عن القبول ، والقبول إذن شرط العمل فى الحالتين.
* * *
٢٠٣. حجة من قال : الإيمان قول باللسان
فى الآية : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) (٨) (البقرة) ، فإن قوله تعالى (وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) رد على من يقول : إن الإيمان قول باللسان وإن لم يعتقد بالقلب ونسمع ذلك من كثير من المهنيين والصحفيين والمتعلّلين بالنطق بالشهادتين ، وقديما كانت هناك فرق إسلامية كالكرامية قالت بذلك ، ويبدو أن أمثال أصحابنا الدكاترة فى الصحف المصرية من نسل هؤلاء الكرامية ، وأكرمونا من تعاليمهم وأقوالهم بالكثير ، مع أن فلسفات العمل في الفكر الأوروبى لا تحصى ولا تعد. ومن الكرامية قديما خرجت الطرائقة ، والإسحاقية ، والهيصمية ، والقائمة طويلة وتنتهى إلى أصحابنا اليوم ورأسهم المستشار إياه ، ويحتج من يعرف منهم القرآن ، كاحتجاج المستشرقين بالآية : (فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا) (٨٥) (المائدة) ، يعنى المسألة عندهم مسألة قول فقط ، وهذا قصور فى الوعى وأى قصور ، وجمود فى الفهم وأى جمود ، وإهمال لما أكده القرآن وجاءت به السنّة من العمل
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
