ومعرفة الله واجبة. والقلب مناط المعرفة ، والإسلام على مذهب أن أفعال القلوب يؤاخذ بها إن استقرت ، ولا ينافى ذلك قوله صلىاللهعليهوسلم : «إن الله تجاوز لأمتى عمّا حدّثت به أنفسها ، ما لم تكلم به أو تعمل» ـ يعنى ما لم يستقر فى القلب.
وغضب رسول الله صلىاللهعليهوسلم فى الحديث الأسبق من جهة أن حصول الدرجات لا يوجب التقصير فى العمل ، بل يوجب الازدياد شكرا للمنعم ، على قدر الطاقة والوسع ، مما يسهّل عليهم الدوام عليه ، يقول : «أحبّ العمل إلى الله أدومه». وعلى ذلك فإذا كان العلم كما فى السابق يرقّى صاحبه ، فكذلك الأعمال الصالحة ترقي صاحبها إلى المراتب السنية ، وليس أدعى للإنسان إذا بلغ الغاية فى العبادة أن يواظب عليها استبقاء للنعمة ، واستزادة للشكر عليها ، وطلبا للكمال الإنسانى ، والرسول صلىاللهعليهوسلم له هذه الرتبة العلية ، فقد قال فى العلم «أعلمكم» ، وقال فى العمل «أتقاكم» ، وفى رواية قال : «وأعلمكم بالله لأنا» وقال «والله إنّ أبركم وأتقاكم أنا» قالهما تأكيدا.
ومن الإيمان : الحياء كما سبق ، وفى الآية : (إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ) (٥٣) (الأحزاب) ، والحياء كالإيمان يمنع من ارتكاب القبائح فلما مرّ رسول الله صلىاللهعليهوسلم على الرجل يعظ أخاه فى الحياء ، قال : «دعه ، فإن الحياء من الإيمان» وفى رواية : «الحياء شعبة من الإيمان» فسمّاه إيمانا كما يسمى الشيء باسم ما يقوم مقامه ، فإن قلنا الحياء من الإيمان فهو مجاز ، وفى علم النفس الحياء من خصائص الإنسان دون الحيوان ، ليرتدع عن ارتكاب كل ما يشتهى فلا يكون كالبهيمة ، وهو انقباض النفس خشية ارتكاب ما تكره. وهو إن كان فى محرم فهو واجب ، وإن كان فى مكروه فهو مندوب ، وإن كان فى مباح فهو العرفى. والحياء المباح هو الذى على وفق الشرع إثباتا ونية ، والمعاصى مذلة ، وتركها مروءة ، ومن اعتاد تركها صارت له ديانة. وفى الأمثال : خف الله على قدر قدرته عليك ، واستحى منه على قدر قربه منك ..
والبرّ اسم آخر للإيمان ، وفى الآية : (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (١٧٧) (البقرة) ، أن التصديق وحده لا يكفى فى الإيمان ، ولكنه التصديق مع هذه الأعمال التى حددتها الآية ، وكلها تدخل فى الإيمان مع انضمامها للتصديق فى مسمى البرّ الذى هو الإيمان ، وكان الرجل قبل الفرائض إذا شهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
