الباب الثالث
الإيمان والإسلام
أولا : الإيمان فى القرآن
* * *
٢٩٩. ماهية الإيمان
يأتى عن الإيمان فى القرآن خمسا وأربعين مرة ، وله فلسفة خاصة عند أهل الفكر من المسلمين استنبطوها من آيات القرآن. والإيمان قول وفعل ، واعتقاد بالقلب ، ونطق باللسان ، وعمل بالأركان ، ويغلط من يقول إنه اعتقاد ونطق فقط ، أو نطق فقط ، وإنما الإيمان هو العمل والنطق والاعتقاد جميعا ، والعمل شرط فى صحته وكماله. ويطلق البعض على الإيمان إقرار المقر ، فمجرد الإقرار إيمان ، فإذا نفوا الإيمان فبالنظر إلى كماله ، يعنى بالنظر إلى أنه ليس إيمانا كاملا ، ومن يطلق عليه الكفر فبالنظر إلى أنه يفعل فعل الكافر ، وأهل الرأى ـ ومنهم المعتزلة ـ وسط ، وعندهم الفاسق لا مؤمن ولا كافر. والإيمان ـ كتصديق ـ يزيد وينقص بكثرة النظر ، كقوله تعالى : (لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ) (٤) (الفتح) ، وقوله : (وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً) (٣١) (المدثر) ، وقوله : (أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً) (١٢٤) (التوبة) ، وقوله : (فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً) (١٧٣) (آل عمران). ويزيد الإيمان بالطاعة ، وينقص بالمعصية. والحب والبغض فى الله من الإيمان ، وأفضل الأعمال الحبّ والبغض فى الله ، ولا يجد الواحد «صريح الإيمان» حتى يحب ويبغض لله.
وللإيمان فرائض وشرائع وحدود وسنن ، من يستكملها يستكمل الإيمان ، والفرائض هى الأعمال المفروضة ، والشرائع هى العقائد الدينية ، والحدود هى المنهيات ، والسنن هى المندوبات.
والإيمان يقين ، ولذا قال إبراهيم عليهالسلام : (وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) (٢٦٠) (البقرة) ، يعنى ليزداد يقينى ، ويزداد إيمانى. وفيما يروى عن معاذ بن جبل قوله لصاحبه : اجلس بنا نؤمن ساعة» ، فيجلسان فيذكران الله ويحمدانه ، فالإيمان يزيد بذكر الله ، والذكر يجدّد الإيمان ، والمؤمن يؤمن أولا فرضا ، ثم يكون أبدا مجدّدا كلما نظر أو فكر ، وتجديد الإيمان إيمان. وفى الدعاء : اللهم زدنا إيمانا ويقينا وفقها ، واليقين هو أصل الإيمان ، وإذا أيقن القلب انبعثت الجوارح للقاء الله بالأعمال الصالحة. وحجة القائلين أن الإيمان لا يستلزم العمل قوله تعالى : (قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ) (٣١) (إبراهيم) ، فسمّاهم مؤمنين قبل إقامة الصلاة. وقيل الإيمان بمعنى التصديق لا يزيد ولا ينقص ، وحجة من قالوا ذلك
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
