فلو لا أنه مريض نفسيا ـ هكذا قالوا ـ لما ادّعى أنّ القرآن يأتيه من الغيب ، ولما أورد هذه الصور والمشاهد التى حفل بها القرآن عن الجنة والنار ، ويوم القيامة ، وجميعها من الغيب. ولم يثبت الغيب علميا ، وما كانت هناك تجارب علمية فيه تنفيه أو تثبته ، وبذلك لا يحق لأحد أن يؤمن بالقرآن المدّعى أنه من الغيب. وقالوا : إن حال محمد كحال الفتاة الفرنسية چان دارك التى عاشت فى القرن الخامس عشر ، وكانت منذ صغرها تدّعى أنها تسمع أصواتا تكلمها ، ولأن توجهاتها كانت دينية فلقد ادّعت أن هذه الأصوات إلهية تأتيها من الغيب ، ولمّا كانت بلادها واقعة تحت الاحتلال الإنجليزى ، وكرهت أن يعانى قومها ذلك ، فقد ادّعت أن السماء أوفدتها مبعوثة إلهية لإنقاذ بلادها وأهلها ، وأن تحضّ الناس على القتال ، وأن تخرج بهم لمحاربة الإنجليز وطردهم ، ولقد فعلت ذلك وصدّقها الناس ، وجرّدت الحملات وقادت الجيوش تنشد التحرير والخلاص ، إلا أنها لم تكن تتقن العسكرية ، فانكسر رجالها بعد لأى ، ودارت الدوائر عليها ، ووقعت أسيرة فى أيدى أعدائها ، وحاكموها بدعوى التجديف الدينى ، والزعم بمزاعم يلحقها بها الموت ، وقضوا أن تحرق حيّة ، فصلبوها وأضرموا فى جسمها النيران ، وماتت ميتة الأبطال ، حتى أنهم نادوا بها قدّيسة. وقدّم الدارسون من بعد مباحث فى حياتها ، أثبتوا فيها أنها كانت واسعة الخيال ، وأنها كانت تعيش أحلام يقظة دائمة ، تفصلها عن الواقع ، وتباعد بينها وبين الحقيقة ، وتأتيها منها تهيؤات بأنها ترى وتسمع ما لا يراه ولا يسمعه الآخرون ، وأن الأصوات تأمرها أن تكون المخلّصة كالمسيح ، فكان المسيح للخلاص الروحى ، وهى لخلاص بلادها من الاحتلال ، والاحتلال شرّ محض ، يصيب قومها منه الأمراض ، ويلحقهم به الفقر ، وما يستحدثه فى النفوس أنكى وأشدّ مما يستحدثه فى الجسوم. وكانت چان دارك لا تنام ، ولا يرقأ لها جفن ، وابتليت بالأرق والضّور (الجوع الشديد) ، وكانت تتهيج وتثور لأتفه الأسباب. فهل كان بمحمد مثل ذلك حتى تعقد مشابهته بچان دارك؟ وهل تصلح نتائج دراسة على چان دارك كتحليل لشخصية محمد؟! وما كان محمد صلىاللهعليهوسلم شتّاما ، ولا لعّانا ، وكان مثالا للوقار والصلاح ، وإذا غضب الناس كان هادئا ، وإن أخطئوا عفا وغفر ، وكان واقعيا لا يتوهم أشياء ، ولا يتصوّر غير الواقع ، ويطلب الحق ، وينشد العدل ، ويريد الإصلاح بين الناس ، ويحتكم إلى العقل ، وما كان يزكّى نفسه على أحد ، ولم يكن بدعا من الرسل ، وكان يؤكد أنه بشر من بشر ، وابن امرأة تأكل القديد ، وما كان شاعرا كالشعراء يتبعه غاوون ، ولا يتلو إلا القرآن ، كله آيات محكمات ذكرى لأولى الألباب ، فأين ذلك من چان دارك؟ وما كان حديثها إلا عن توهّمات ، وانعكاسا لاضطراب عقلى ، وكانت تشكو
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
