وأيضا فإن الهستيرى دائم الكذب والتهويل ويضخّم الأمور ، ويميل إلى الدخول فى تفاصيل لا لزوم لها ، ويزعم أنها من الذاكرة ، ولا تسعفه ذاكرته ، لأن الوعى فيها منصرف عن الواقع ومشغول بأمور أخرى ، ولأن مخزون الذاكرة ليس فيه إلا التهيؤات والتهاويل والانطباعات الخاطئة والوقائع المشوّهة والمحرّفة ، ولذلك يلجأ الهستيرى إلى التأليف وتلفيق الذكريات ، فهل تصلح مثل هذه الشخصية لرواية القرآن ووعظ الناس وتذكيرهم بالحساب والآخرة؟!! وكذلك المصروع ، فإن نوبات الصرع إذا أتته تمحو ذاكرته ، وكلما زادت النوبة كلما كان تأثيرها الذهنى عليه شديدا حتى يبدو كأنه معتوه أو أبله ، ويفقد التركيز ، ويتشتت انتباهه ، ويصاب بسوء التوجّه ، وقد يؤذى نفسه أثناء النوبة ، وقد يبول على نفسه ، ولم يحدث أن ذكر أحد من أصحابه صلىاللهعليهوسلم شيئا من ذلك عنه ، لا قبل نزول الوحى ولا بعده!
وأيضا فقد انتهى علماء التحليل النفسى من بحوثهم على شخصيات مثل دستويفسكى ، ونيتشه ، وبودلير ، وفان جوخ ، أن هناك نوعا من الجنون المبدع ، يبدى المرضى به عبقريات خاصة فى مجال من المجالات ، وهذا الكلام قد رفضه الطب النفسى التكاملى ، فليس صحيحا أن دستويفسكى كان يشكو الصرع ، أو به جنون ما ، وهؤلاء الذين اختارهم علماء الطب النفسى ليدللوا بهم على نظريتهم كانوا يشكون توترات عصبية هائلة ، وكان لظروف حياتهم وطأة شديدة على مسارهم الفكرى ، فليست عبقرياتهم لأنهم مجانين ، وجنونهم إذا كان بهم جنون هو حالة قد ألّمت بهم ، وكان يمكن أن تلم بأى إنسان آخر سوىّ ، والجنون لا يقدح العبقرية ولكنه يمنع ظهورها ويحدّ منها. وأما دراسات الطب النفسى التكاملى ، فقد أثبتت أن العباقرة كانت شخصياتهم نموذجية ومتكاملة ، واستمرارهم فى الإنتاج والإبداع هو النتيجة الطبيعية لتواصل توافقهم النفسى ، والرسول صلىاللهعليهوسلم لا يندرج ضمن الشواذ وإنما ضمن الكاملين ، وكانت الدراسات عليه ، من الإسلاميين ومن غير الإسلاميين ، كشخصية متكاملة ، وأدت هذه الدراسات إلى صياغة مصطلح جديدة من مصطلح الفلسفة هو مصطلح «الإنسان الكامل» كصفة للنّبى صلىاللهعليهوسلم ، ودليل عليه. وتنفرد الدراسات الإسلامية بالبحث فى صفات «الإنسان الكامل» ، وبدأت هذه الدراسات قبل دراسات علم النفس التكاملى ، ومصطلح الإنسان الكامل من مصطلحات الفلسفة أو الثقافة الإسلامية النبوية ، وأوحت به حياة النبىّ صلىاللهعليهوسلم وصفاته.
* * *
٢٦٥. هل كانت حالته فيما ادّعى أنه يوحى إليه
كحالة چان دارك التى ادّعت أن السماء تكلّمها
هؤلاء المستشرقون المنكرون أرغو وأزبدوا فى النبىّ صلىاللهعليهوسلم ، واتهموه بالمرض النفسى ،
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
