فى واقع الأمر ، زوجة وأم ، والزوجة الأم هى مطلب أمثال النبىّ صلىاللهعليهوسلم الذين يحرمون من أمهاتهم فى سن التكوين ، أى بين الرابعة والثامنة من العمر ، ورسول الله صلىاللهعليهوسلم توفيت أمه وهو فى السادسة ، وتوفى أبوه وأمه حامل فيه ، أو وهو ابن شهرين ، وقيل ابن ثمان وعشرين شهرا ، أى فى السن التى يفتقد الطفل فيها أمه ، بشدة أكثر من افتقاده لأبيه ، ويظل به المنزع أن يتعامل مع كل امرأة كبيرة تبدى العطف عليه كأنها أمه. ومن ذلك أن الدكتور القوصى عالم التربية النفسى الكبير ، يقصّ عن نفسه أنه كان لا يدرى كلما دعى إلى اجتماع وكانت فيه سيدات ، يختار أن يجلس إلى جوار أكبرهن سنا ، التى تظهر احتشاما فى لبسها ، وتؤثر اللون الأسود فى ثيابها ، وتبين له مع استمرار تحليله لمواقفه ، أنه يفعل ذلك لأنه فى أعماق نفسه يرفض الإقرار بأن أمه قد ماتت ، وكانت كبيرة السن ، ومحتشمة ، وتؤثر السواد فى لباسها ، وكان موتها فى صغره ، فافتقدها ، وكأنه بجلوسه إلى جوار السيدات كبيرات السن ، المحتشمات ، المتّشحات بالسواد ، يطمئن نفسه بأن أمه ـ وإن كانت قد توفيت فى الواقع ـ فإنها فى الحقيقة تعيش فى وجدانه ، وفى ذهنه ، ولا تفارقه صورتها. وعلماء النفس يطلقون على ذلك اسم الحضور النفسى ، وشبيه به برهان يوسف الذى رآه لما همّ بامرأة فرعون وهمت به ، وبرهانه هو صورة أبيه يعقوب عليهالسلام ، وكان يأخذه بالتربية المثلى ، ويتعهده بالتعليم الحىّ.
وكانت خديجة بمثابة الأم الرءوم للنبىّ صلىاللهعليهوسلم ، وبها تعود أمه إلى الحياة ـ متمثلة فى هذه السيدة الفاضلة ، ولما تزوّجها وقصّ عليها قصته مع الوحى ، ورأته وقد ارتج عليه من الخوف ، وارتعدت فرائصه ، سارعت إليه وأدخلته بينها وبين درعها ، وأجلسته على فخذها ، وهدأت من روعه فقالت : الله يرعانا يا أبا القاسم! أبشر يا بن عم واثبت ، فالذى نفس خديجة بيده ، إنى لأرجو أن تكون نبىّ هذه الأمة ، والله لا يخزيك الله أبدا! إنك تصل الرحم ، وتصدق الحديث ، وتحمل الكلّ ، وتقرى الضيف ، وتعين على نوائب الحق». وكانت أول من آمن به ، وبيتها أول بيت فى الإسلام ، وجزاء ذلك بشّرها رسول الله صلىاللهعليهوسلم ببيت فى الجنة ، فعوّضها الله به عن بيتها ، على غرار الحديث : «من كسا مسلما على عرى كساه الله من حلل الجنة ، ومن سقى مسلما على ظمأ سقاه الله على الرحيق» ، ويذكرها رسول الله صلىاللهعليهوسلم بعد موتها ويردّ غيبتها فيقول : «والله ما أبدلنى الله خيرا منها! آمنت بى حين كذّبنى الناس ، وآنستنى بمالها حين حرمنى الناس ، ورزقت منها الولد وحرمته من غيرها». وتروى السيدة عائشة فى ذلك أنها لما اغتابت خديجة ، وسمعته يزجرها بهذه الحدّة ، أمسكت وهى تقول فى نفسها : «والله لا أذكرها بعد ذلك أبدا». وقال لها يومها : «إنها كانت وكانت ، وكان لى
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
