فيه : إن له لحلاوة ، وعليه طلاوة ، أعلاه منير ، وأسفله مشرق ، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه ، ويرضى كل الأذواق ، خاصة وعامة ، وكل العقول ، وينفذ إلى القلوب ، ويرتبط فيه الفكر مع الجمال ، والمعنى مع السياق ، وجودة السبك مع إحكام السرد ، وإنه لشىء عجيب أن يتناول الموضوع الواحد فى عدد من السور فلا تحس بالتكرار ، لأن اللقطة فى هذه السورة خلاف اللقطة فى تلك ، وإن كان المشهد واحدا ، والعظة هنا خلاف العظة هناك ، من غير تفكيك للمعانى ، ولا تنافر للموضوعات ، والتناسب يربط بين الجميع ، بطرق تتعدد بين الإنشاء والإخبار ، والإظهار والإضمار ، والتكلم والغيبة ، والحضور والاستقبال ، والاستفهام والإقرار ، والوصف والسرد ، والاسمية والفعلية ، والوعد والوعيد ، والكلام فيها جميعا يتحوّل من النمط إلى النمط بسرعة لا تجارى ، فلا تضطرب المعانى ، ولا تتعثر المقاصد ، فيجتمع الإجمال مع البيان مع تقابلهما ، ولا يزيد اللفظ على المعنى ولا يقصر ، ولا يقتر ولا يسرف. وأسلوب القرآن ولغته من وجوه إعجازه ، وفى القرآن آلاف المعجزات!
* * *
١٤٥. تحدّاهم فعجزوا عن الإتيان بمثله
فى القرآن : (وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) (٣١) (الأنفال) ، فهل فعلوا؟ وهل أتوا بمثله؟ أم أنهم فشلوا وعجزوا وضعفوا؟ والقول هو قول كفّار قريش زمن النبىّ صلىاللهعليهوسلم ، وهو نفسه قول من جاءوا بعدهم وحتى اليوم ، من أمثال ابن الراوندى ، وعبد المسيح الكندى ، وجماعة العلمانيين والعولميين والتنويريين ، من الوزراء والصحفيين والمثقفين ، وبدلا من الردّ الصريح بتأليف شىء مواز للقرآن فى قصصه وأحكامه وتشريعاته وحججه ودعوته إلى إله واحد ، لم ينهضوا بعمل واحد جدّى واكتفوا بالقول : (لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا). وفى الأدب الفرنسى شىء من ذلك عن شخصية اسمها مسيو جوردان يتحدث فى الأدب ، والرواية ، والشعر ، ويحكى أنه لو فقط يفرغ نفسه لكتب شيئا لم يسبقه أحد إليه ، وأثناء ذلك لم يحاول ولو مرة أن يفرغ نفسه ، وكذلك هؤلاء المدّعون من مستشرقين أجانب وعرب ، وفى الخبر أن عبد المسيح الكندى هذا قال فى القرآن : إن الأنباط ، والأسقاط ، والعجم ، والمغفلين ، والأغبياء الذين لا معرفة لهم باللسان العربى ، هم الذين ينخدعون بدعوى إعجاز القرآن ـ يعنى أمثاله لا تخدعهم هذه الدعوى ، فأين ما كتب؟ لا شىء. وكذلك كان يقول أحدهم واسمه النضر بن الحارث فى زمن الرسول صلىاللهعليهوسلم ، وذهب من أجل مشروعه للردّ على القرآن إلى
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
