(السجدة) ، فكان كلام القرآن أقل وزنا ، وأحسن تركيبا ، وأعذب لفظا ، وأقل حروفا ، فإن كان ذلك فيما جاء من آية واحدة ، فما بالك فيما يكون من السورة؟ وبمثله قامت الحجة على العرب السابقين ـ وهم أرباب الفصاحة ، وتقوم الحجة على أهل العلم المعاصرين ، مما فى القرآن من علوم ومعارف ومعان ودلائل ، وهذا هو الفرق بين معجزة القرآن عند محمد صلىاللهعليهوسلم ، ومعجزة غيره من الأنبياء السابقين : أن معجزة القرآن مستمرة ، وتحدّيه أبدى.
* * *
١٤٤. أسلوب القرآن
أسلوب الكلام : هو طريقة تأليفه واختيار ألفاظه ؛ وأسلوب القرآن هو طريقته المتفرّدة فى التعبير ، وذوقه العالى فى اختيار الألفاظ وصياغة التراكيب بما يناسب المعنى ويقصد إلى الغرض ، فلغة الوعد بخلاف لغة الوعيد ، وعبارات القصة بخلاف عبارات الأحكام ، وألفاظ يوم القيامة نقيض ألفاظ يوم من أيام الزينة ، وفى هذين المثلين المتقاربين فى الآية : (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ) (٥٨) (البقرة) ، والآية : (وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ) (١٦١) (الأعراف) ، ففي الآية الأولى استخدم الفاء فى كلمة «فكلوا» ، واستخدم الواو فى نفس الكلمة «وكلوا» فى الآية الثانية ، غير أن المعنى فى الآية الأولى أن الأكل معطوف على دخول القرية ، ومتعلق به تعلق الجواب بالابتداء ، أو تعلق الشرط بالجزاء ، فكان استخدام الفاء ، لأن الأكل شرطه الدخول ، بعكس الآية الثانية فإن الأمر فيها ليس مجرد دخول ولكنه سكنى ، والسكنى طول مقام ، وفيها التريث والتفكير ، وربما البحث عن الطعام ، وربما اتباع وسائل للسكنى ثم وسائل إلى الطعام ، فليس هناك مجال للعطف ، ولذلك وجب أن يكون العطف بالواو وليس بالفاء ، لأن الفاء تفيد الترتيب والتعقيب ، واما الواو فتفيد الحال ، والأحوال كثيرة بحسب مناسباتها ، وجميعها تحتشد فيها الصور وتصلح لها ألفاظ وعبارات دون ألفاظ وعبارات ، والأسلوب هو الصورة الفنية التى يأتى عليها وصف هذا الحال دون ذاك ، والكلام يتفاوت فى البلاغة فى ذاته ولدى القارئين أو المستمعين ، وفى كلام القرآن تأتى الألفاظ وقد اختيرت اختيارا ، والعبارات وقد صيغت بإحكام ، فيسمعه أو يقرأه الناس فى عصر ومصر فيفهمون منه أشياء ، ويتذوقونه بطريقة تلائمهم ، فكأن القرآن قد جاء ليتذوقه كل الناس ، فالألفاظ فيه منظومة نظاما صوتيا له جرسه الجميل ، وائتلافه فى الحركات والسكنات ، وفى المدّات والغنّات. وللقرآن توقيعه الخاص ، وكأنه شعر وهو ليس بشعر ، وله إطلاق النثر وإرساله ، وليس من السحر ولا الكهانة ، لأنه يدعو إلى الخير والحق ، ويرسّخ معانى الجمال والجلال والكمال ، وقيل
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
