اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ) (٢٠) : هو مثل ضربه الله تعالى ، يعنى به أن خوفهم مما ينزل بهم يكاد يذهب أبصارهم ؛ أو أن ما جاءهم من البيان فى القرآن بهرهم وخطف أبصارهم ، أو أنهم كلما سمعوا القرآن وظهرت لهم الحجج ، أنسوا ومشوا معه ، فإذا نزل منه ما يعمون فيه ويضلون به أو يكلفونه ، قاموا وثبتوا على نفاقهم ؛ أو كلما صلحت أحوالهم فى زروعهم ومواشيهم وتوالت عليهم النّعم ، قالوا : دين محمد دين مبارك ، وإذا نزلت بهم مصيبة ، وأصابتهم شدة ، سخطوا وثبتوا فى نفاقهم.
(إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ) (٢٦) : فلمّا ذكر الله آلهة المشركين فقال : (وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ) (٧٢) (الحج) ، وذكر كيد الآلهة فجعله كبيت العنكبوت ، قالوا : إن الله لا يضرب الأمثال بالذباب والعنكبوت ، وهذا كلام لا يشبه كلام الله ، فأنزل الله الآية يقول : إنه لا يستحى أو لا يمتنع أن يضرب المثل بالبعوضة وما فوقها فى الصغر ـ أى ما دونها.
(ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (٧٤) : والمثل فى قسوة القلب وتحجّر المشاعر ، وأبعد الناس من الله القلب القاسى ، وهؤلاء اليهود قلوبهم قاسية كالحجارة أو أشدّ.
(وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً) : المعنى ليحسن قولكم ، أو قولوا للناس الطيّب من القول.
وهذا حضّ على مكارم الأخلاق ، كقوله تعالى لموسى وهارون : (فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً) (٤٤) (طه) وفى الحديث لعائشة رضى الله عنها قالت قال صلىاللهعليهوسلم : «لا تكونى فحّاشة فإن الفحش لو كان رجلا لكان رجل سوء».
(وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ) (٩٣) : هذا تشبيه ومجاز ، عبارة عن تمكّن أمر العجل فى قلوبهم ، والمعنى : جعلت قلوبهم تشربه ، وفى الحديث : «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عددا عددا ، فأى قلب أشربها ، نكت فيه نكتة سوداء». يقال أشرب قلبه حبّ كذا ، وإنما عبّر عن حبّ العجل بالشّرب دون الأكل ، لأن الشرب عملية يتغلغل بها السائل كالماء مثلا فى الأعضاء ، حتى يصل إلى باطنها ، فكذلك كان حبّ العجل ، أى المائيات قد تغلغل فى عقولهم ونفوسهم كما تقول حتى النخاع ، وقيل إن موسى طحن عجل الذهب وذرّاه فى الماء ، وقال لليهود : اشربوا من هذا الماء ، فشربوا جميعا ، فمن كان يحب العجل خرجت برادة الذهب على شفتيه. وهذا المثل يقال لمن صار حبّ المادة فى دمه.
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
