(النور) ، ويبدو أن الجميع لم يحدّوا وقيل فى ذلك : إن الاستثناء من الجلد والفسوق وردّ الشهادة أبدا ، لا يكون إلا إذا تاب القاذف وظهرت توبته ، فحينئذ لا يحدّ ، وتقبل شهادته ويزول عنه التفسيق ، والله يقول : (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ) (٨٢) (طه). وكانت حمنة أختا لزينب بنت جحش زوجة الرسول صلىاللهعليهوسلم ، وأمها كانت أميمة بنت عبد المطلب ، وخالها حمزة بن عبد المطلب ، وزوجها مصعب بن عمير ، وحضرت أحدا وكانت تسقى العطشى وتداوى الجرحى ، وأطعمها رسول الله صلىاللهعليهوسلم فى خيبر ثلاثين وسقا ، وتزوجها طلحة بن عبيد الله فولدت له محمد بن طلحة السجّاد ، فكيف تتّهم بأنها قذفت عائشة وروّجت للإفك؟ وقيل : إن عائشة لمّا سمعت ما يتهمونها به مرضت وجاءتها حمّى بنافض ، يعنى برعشة ، غير أن مرض عائشة بحسب التشخيص الحالى «الملاريا المزمنة» ، وتأتيها على فترات ، ومن أعراضها هذا النفض أو الرعشة ، فلم يكن ذلك إذن بسبب الحزن على اتهامها ، ولمّا جاء النبى صلىاللهعليهوسلم يعودها وقالوا له : أخذتها حمى بنافض ، قال : «فلعل فى حديث تحدّث به» ، فما سمعت عائشة قوله صلىاللهعليهوسلم حتى اعتدلت فى نومتها وقالت : والله لئن حلفت لا تصدقونى! ولئن قلت لا تعذرونى! مثلى ومثلكم كيعقوب وبنيه ، والله المستعان على ما تصفون. وانصرف النبىّ صلىاللهعليهوسلم ولم يقل شيئا ، فأنزل الله عذرها ، قالت : بحمد الله لا يحمد أحد ولا بحمدك ـ أى النبىّ صلىاللهعليهوسلم!
وصفوان بن المعطّل : الذى اتّهمت به عائشة كان حصورا لا يأتى النساء ، وقال عن نفسه : والله ما كشفت كنف أنثى قطّ ـ يعنى لم يزن أبدا ، وقتل شهيدا فى غزوة أرمينية سنة تسع عشرة فى زمن عمر ، وقيل ببلاد الروم سنة ثمان وخمسين فى زمن معاوية.
والناس مختلفون بشأن من ذكرنا فى الإفك : هل خاضوا فى الإفك فعلا؟ وهل جلدوا الحدّ؟ وحتى مسطح فأمره مشكوك فيه ، ولم يثبت عنه قذف صريح. والرأى الغالب كما قلنا أنه لم يحدّ أحد من أصحاب الإفك ، لأن الحدود إنما تقام بإقرار أو بينة ، ولم يفرضها الله لنقيمها بمجرد القول والخبر. وقوله تعالى : (لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً) (النور ١٢) ، عتاب منه تعالى للمؤمنين فى ظنهم حين قال أصحاب الإفك ما قالوا ، وكان ينبغى أن يقيسوا الأمر على أنفسهم ، وقد فعل ذلك أبو أيوب الأنصارى وامرأته ، فلمّا دخلت عليه امرأته تخبره قال لها : كذب! أكنت يا أم أيوب تفعلين ذلك؟! فعائشة والله أفضل منك! وقوله : (لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ) (النور ١٣) توبيخ لأهل الإفك ، فما لم يتوفر الشهداء فالمدّعى كاذب ، والناس يحاسبون بما يظهر من أعمالهم ، وأحكام الدنيا على الظاهر ، ولو لا فضل الله لترتبت فتنة كبيرة على الإفك ولحق
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
