فى وقت كذا ، وسيتقدمها جمل آدم ، عليه مسح أسود وغرارتان سوداوتان. ولما كان ذلك اليوم أشرف الناس ينظرون حين كان قريبا من نصف النهار ، حتى أقبلت العير يتقدمهم ذلك الجمل كما قال. ومع ذلك ظلت القصة محل تكذيب منهم ، واستقبلها كثير من المسلمين بالشك ، ثم انتهى بهم الأمر إلى اعتبارها رؤيا ، وأن رؤى الأنبياء صادقة ، واعتبروا انتقاله إلى بيت المقدس بالروح دون الجسد ، وفى النوم وليس فى اليقظة.
فتلك إذن قصة الإسراء والمعراج ، وجاء المستشرقون ليزيدوا الطين بلة ، فقال جولدستيهر إن اجتماع النبىّ صلىاللهعليهوسلم بالأنبياء ، خصوصا إبراهيم وعيسى وموسى ، يشبه اجتماع المسيح بالأنبياء على الجبل الذى جاء عنه فى أناجيل متّى ١٧ / ١ ، ومرقس ٩ / ١ ، ولوقا ٩ / ٢٨ ، وهو افتراء وكذب محض ، لأنه لا تشابه البتة بين مشهد اجتماع النبىّ صلىاللهعليهوسلم بالأنبياء وصلاته إماما لهم ، وبين مشهد اجتماع المسيح مع بطرس ويعقوب ويوحنا ومع موسى وإيليا على الجبل (لوقا ٩ / ٢٨ ـ ٣٦). وكان واضحا أن اجتماعهم كان رؤيا ، فقد أخذ النوم الثقيل بطرس وزملاءه ، ولمّا أفاقوا لم يكن هناك إلا المسيح. وتلك كانت كل الرؤيا ، فأين هى من رؤيا الإسراء والمعراج فى القرآن؟! وأين هذا الكلام لمؤلّفه لوقا من كلام القرآن فى سورتى الإسراء والنجم حيث كل كلمة لها معنى ودلالة من داخل السياق؟! وأين الرمزية فى كلام لوقا مثلما هى فى أحاديث الإسراء والمعراج؟ فكل حدث ، وكل شخصية ، وكل كلام يرمز لشىء ، والقصة هى فتح جديد لا شك فيه فى الأدب القرآنى الرمزى فى الإسلام ، مثل مشاهد الجنة والنار ويوم القيامة والحساب ، والأعراف ، والجدل بين الأنفس والملائكة ، وحوار أهل الجنة وأهل النار ، وعذاب القبر ، وناكر ونكير ، فكل ذلك لا يوجد مثله شىء عند اليهود والنصارى. وقصة الإسراء والمعراج من القصص الرمزى ، باعتبارها تحتاج إلى تأويل إن كان المتابع لها من أهل النظر والفكر ، فإن كان من البسطاء فالقصة كما هى تفعل فعلها التعليمى ، وفيها الوعظ الكثير والخبر الجميل. وفى قصة الإسراء والمعراج كان وضوء جبريل وفعل النبىّ صلىاللهعليهوسلم مثله ، وتقرير عدد الصلوات. ونحن نعلم أن النبىّ صلىاللهعليهوسلم كان يصلى والمؤمنون ـ من قبل الإسراء والمعراج ، وأنه كان يقوم الليل ، وأنه صلىاللهعليهوسلم صلى مع خديجة ، وجاء عن الصلاة فى سورة مريم ـ وهى قبل الإسراء : (وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ) (٥٥) ، وفى سورة طه : (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) (١٤) ، (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها) (١٣٢) ، وفى سورة النمل : (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ) (٣) ، وفى سورة المزمل : (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) (٢٠) ، وفى سورة الماعون : (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ) (٥) وكل هذه السور كان نزولها قبل سورة الإسراء
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
