أنكم أبناء ، أرسل الله روح ابنه إلى قلوبنا» (٤ / ٦) ، فالله الأب هو المرسل ، والروح القدس هو المرسل ، والابن هو سرّ الإرسالية ؛ وفى رؤيا يوحنا : «الذين يشهدون فى السماء ثلاثة : الأب ، والكلمة ، والروح القدس ، وهؤلاء الثلاثة هم واحد (٥ / ٧). وهذا الكلام ، بلغة المناطقة ، لا يعنى شيئا ، أى nil ، وهو تفلسف وليس فلسفة ، ويكشف عن جهل وضلال ، وينبّه إليه القرآن : (يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَ) (١٧١) (النساء). والغلو هو التجاوز فى الحدّ ، والنصارى غلت فى المسيح حتى جعلوه ربّا. والقرآن يدعو إلى التوحيد ، والنصارى يدعون إلى التثليث ، وكان المجوس اثنينية ، والرسول صلىاللهعليهوسلم نهى أن يطريه المسلمون كما أطرت النصارى عيسى ، وأمرهم أن يقولوا أنه عبد الله ورسوله ، وذلك هو النقيض الخالص لمقالة النصارى فى الله (انظر أيضا عيسى كلمة الله ، وعيسى روح من الله).
* * *
٩٢٤. عيسى كلمة الله إلى مريم
فى إنجيل يوحنا : «فى البدء كان الكلمة ، والكلمة كان عند الله. وكان الكلمة الله. هذا كان فى البدء عند الله. كلّ به كوّن ، وبغيره لم يكوّن شىء مما كوّن» (١ / ٣). وفسّر ذلك أبىّ بن كعب فقال : خلق الله أرواح بنى آدم لما عليهم الميثاق ، ثم ردّها إلى صلب آدم ، وأمسك عنده روح عيسى عليهالسلام ، فلمّا أراد خلقه أرسل ذلك الروح إلى مريم ، فكان منه عيسى عليهالسلام. والكلمة هى «كن» ، بها تكوّنت المخلوقات ، وبدونها ما كانت توجد. وفى القرآن قال تعالى : (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (٨٢) (يس ٨٢) ، وقال يوحنا فى إنجيله : «والكلمة صارت جسدا وحلّ فينا» (١ / ١٤) ، وبكلمات كهذه «وحلّ فينا» بدأ الضلال والقول بالحلول ، فقيل : الله عقل. والكلمة تجسيد للعقل ، والعقل غير منظور وظهر فى الكلمة ، يعنى فى مخلوقاته ، وفى المسيح ، مثلما يمكن أن يحلّ المسيح فى المؤمنين به. وفى القرآن الأمر على خلاف ذلك ، يقول تعالى : (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) (١٧١) (النساء) ، فالكلمة هى «كن» ، وبها خلق آدم من غير أبّ ولا أم ، وخلقت حواء من أب بلا أم ، وخلق عيسى من أم بلا أبّ ، وخلق النبىّ يحيى بكلمة منه ، من أب وأم ، إلا أن الأم كانت عاقرا والأب شيخا كهلا ، وكذلك إسحاق ، خلقه بكلمة منه ، من إبراهيم وسارة ، وإبراهيم كان شيخا وسارة عجوزا عقيما ، والإنسان عموما خلقه من أب وأم ، فكذلك كان الحال مع عيسى ، وذلك جميعه بكلمة «كن» يقولها الله تعالى فيكون الخلق كما أراد وقضى. فبكلمة «كن» كانت بشارته
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
