تَقِيًّا (١٨) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا (١٩) قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا (٢١) فَحَمَلَتْهُ) (٢٢) (مريم) ، والخطاب إلى النبىّ محمد صلىاللهعليهوسلم ، تذكيرا له بأن يقصّ على قومه قصة مريم ، ليعرّفهم بكمال قدرة الله تعالى. وقوله تعالى : (انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها) يعنى اتخذت لنفسها مكانا تعتزل نفسها فيه عنهم ، وهو محراب الكنيس ، ففصلت نفسها عن رواد المكان المشتغلين فيه بستار. واصطلاح «الانتباذ» أقوى من اصطلاح «الاعتزال» ، لأن الاعتزال يعنى الانفصال عنهم ، وأما الانتباذ فهو ابتعاد وانفراد. وقد نسأل : ولم انتبذت؟ وربما كان السبب أن مريم كانت موقوفة على سدانة الكنيس وخدمته والعبادة فيه ، فإذا أتاها ما يأتى النساء من الحيض ، انتبذت لتطهر ، وربما أنها اختارت أن تكون صومعتها فى الكنيس إلى جانب المحراب فى شرقيه لتخلو للعبادة ، وكانوا يبنون المحاريب إلى جهة الشرق ، والشرق المكان الذى تشرق منه الشمس ، خصّوا العبادة بالشرق لأنهم كانوا يعظّمون جهة المشرق من حيث تطلع الأنوار ، والجهات الشرقية عندهم هى أفضل الجهات ، ويؤثرونها على غيرها ، ولمّا حضروا إلى مصر اختار لهم يوسف الإقليم الشرقى مقاما لهم ، وهو محافظة الشرقية الآن ، وكان اسمها من قديم أرض جاسان ، وعاصمتها تانيس أو أفاريس. والهكسوس اختاروا الشرقية لمقامهم كذلك لأنهم ساميون مثل العبرانيين ، والتفكير السامى يؤثر الشرق فى كل شىء ، وكل أحداث قصة موسى مع الفرعون جرت فى الشرقية وليس فى منف. وروى عن ابن عباس أنه قال : إنى لأعلم الناس لم اتخذ النصارى المشرق قبلة؟ لقول الله عزوجل : (إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا) (١٦). والأمر كان أكبر من ذلك ، لأن السؤال يظل كما هو لم يردّ عليه ابن عباس : فلم اختارت مريم الجهة الشرقية؟ والجواب فى التراث العبرانى ، وهو إيثارهم جهة الشرق وأن تكون محاريبهم إلى الشرق. وقال ابن عباس : لو كان شىء من الأرض خيرا من المشرق لوضعت مريم عيسى عليهالسلام فيه ، وهذا صحيح. وهذا المكان الشرقى يقول فيه إنجيل لوقا ، الفصل الأول ، إنه الهيكل ، ومن عادة الكهنوت أن يدخلوه للتبخير ، وفى ذلك الوقت كان جمهور الشعب يصلى خارجا ، وفيه ظهر ملاك الربّ لزكريا واقفا عن يمين مذبح البخور. غير أن لوقا لا يقول إن مريم ظهر لها جبريل فى المحراب ، ولا نعرف من الأناجيل ، بخلاف القرآن ، أين ظهر لها؟ وهذا من الفروق بين قصة القرآن وقصص الأناجيل.
* * *
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
