٩١١. اصطفاء مريم على نساء العالمين
يقول تعالى : (وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ) (٤٢) (آل عمران) ، فهل كانت مريم مصطفاة على نساء زمنها ، أم على نساء الدنيا كلها إلى يوم الدين؟ ونلاحظ تكرار كلمة اصطفاء ، والأولى تعنى اصطفاءها واختيارها لعبادته ، والثانية هى اصطفاؤها واختيارها لولادة عيسى ، وفى الحديث : «كمل من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون ، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» أخرجه مسلم. والكمال هو التناهى والتمام ، والكمال المطلق لله تعالى خاصة ، وأكمل نوع الإنسان هو «الإنسان العابدhomo religiosus» ، والأنبياء هم أخصّ العبّاد ، ويليهم الأولياء ، ثم الصدّيقون ، ثم الشهداء ، ثم الصالحون ، ثم المؤمنون. وإذا كان ذلك صحيحا فيلزم أن تكون مريم وآسية بحسب الحديث ، كل منهما نبيّة ، لأنهما بلغتا حدّ الكمال فى النساء. ومريم أوحى إليها الله كما أوحى إلى الأنبياء ، غير أن الوحى وحده لا يكفى ، فالله أوحى إلى النحل ، وإلى الحواريين ، وإلى الأئمة ، وإلى أم موسى ، وهؤلاء جميعا ليسوا أنبياء ؛ ولا كانت مريم ولية ، ولم يرد أنها كذلك ، وإنما جاء فيها أنها «صدّيقة» ، كقوله تعالى : (وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ) (٧٥) (المائدة) ، وقوله : (وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ) (١٢) (التحريم) ، فشهد لها الله تعالى بالصدّيقية ، وبالتصديق ، وبالقنوت. وفى حين بشرّ زكريا بالغلام فتساءل : أنّى يكون له هذا وامرأته عاقر؟ وطلب تأكيد الوعد بآية ، فإن مريم بشّرت بالغلام فلحظت أنها بكر لم يمسسها بشر ، فكان الردّ عليها : (كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ) (٢١) (مريم) ، فاقتصرت على ذلك ، وصدّقت بكلمات ربّها ، ولم تسأل آية كما سأل زكريا. ولم تنل مريم شهادتها بالصدّيقية والتصديق إلا كمرتبة قريبة دانية من الله تعالى ، وليس سببها أنها نبيّة ، فالنبوة وظيفة ، وإنما سببها الاصطفاء ، وأنها اختيرت لذلك من ربّها ورشّحتها صفاتها الذاتية ، ولمّا كان ما حدث لها لم يحدث مثله من قبل ولا من بعد ، فإنها تكون فعلا «قد اصطفيت على العالمين» ، بفرادة الحدث الذى جرى لها ، وخصوصا على «نساء العالمين» بولادتها المعجزة للمسيح عليهالسلام.
* * *
٩١٢. حمل مريم كان فى المحراب
يقول القرآن : (وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا (١٧) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
