المستشرقون من القول فى الإسلام بأن القرآن منزّل على محمد من الله؟ ويتعجّبون من استخدامنا اصطلاح «التنزيل» هذا ، ومقصدهم الخبيث تفويض هذا القول الذى هو أساس الإيمان بالقرآن ، وأساس التصديق بنبوة محمد ، وأساس الاعتقاد بأن الإسلام هو الدين الحق ، فلو أنهم استطاعوا زعزعة هذا اليقين عند المسلمين لتمكنوا من القضاء على الإسلام. والنزول تأتى فى القرآن بمعان شتى ، فمن ذلك قوله تعالى : (وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ) (٢٩) (المؤمنون) ، وقوله : (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً) (٥٣) (طه) ، وليس كذلك معنى نزول القرآن ، وإنما نزوله بالمعنى المجازى والاستعارى ، بمعنى الإعلام به.
ويروى عن ابن عباس أنه قال : أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ليلة القدر ، ثم أنزل بعد ذلك فى عشرين سنة ، ثم قرأ قوله تعالى : (وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً) (٣٣) (الفرقان) ، وقوله : (وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً) (١٠٦) (الإسراء). أخرجه النسائى والحاكم البيهقى. وعن ابن عباس أيضا ، قال : أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا ، وكان بمواقع النجوم ، وكان الله ينزّله على رسوله صلىاللهعليهوسلم بعضه فى أثر بعض. أخرجه الحاكم والبيهقى. فلما قيل لابن عباس أن القرآن جاء فيه قوله : (شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) (١٨٥) (البقرة) ، وقوله : (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) (١) (القدر) ، وقوله : (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) (٣) (الدخان) ، أى أن نزوله كان فى ليلة القدر ، فكيف يستقيم ذلك مع ما يعرفه المسلمون من أن نزوله تعاقب على الشهور المختلفة؟ قال ابن عباس : إنه ـ أى القرآن ـ أنزل فى رمضان فى ليلة القدر جملة واحدة ، ثم أنزل على مواقع النجوم رسلا فى الشهور والأيام». أخرجه ابن مردوية والبيهقى. ورسلا يعنى رفقا ، وعلى مواقع النجوم ، أى نزل على مساقطها مفرقا ، أى منجما على مدار الشهور على النبىّ صلىاللهعليهوسلم. وروى الإمام أحمد عن واثلة بن الأسقع : أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : «أنزلت صحف إبراهيم فى أول ليلة من رمضان ، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان ، والإنجيل لثلاث عشر خلت من رمضان ، وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان».
والسؤال الآن : من أين أنزلت هذه الكتب ، ومنها القرآن؟ والجواب عند الأوائل تفسيرا للآية : (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) (٢٢) (البروج) ، وفى اللوح المحفوظ يجيء عن ابن عباس عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «إن الله تعالى خلق لوحا محفوظا من درّة بيضاء ، صفحاتها من ياقوتة حمراء ، قلمه نور ، وكتابه نور ، صلىاللهعليهوسلم ، فيه كل يوم ستون وثلاثمائة
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
