وانتهت بذلك قصة يوحنا فى كتب اليهود ، وكانت قصة عادية نشهد مثلها كثيرا ونسمع بما يشبهها عن دعاة للإصلاح والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، وإنما أشهرها ما انتهت إليه حياة يوحنا على يد سالومى وأمها هيروديا ، وما قيل عن جمال سالومى ورقصها الشهوانى البارع وغوايتها الشيطانية ، فكثرت الكتب والمسرحيات والروايات عنها وعن يوحنا ، وأما قصة يوحنا أو يحيى فى القرآن فلها شأن آخر ، وتتسامى عن هذا الهذر الذى خالطها بسبب علاقة يوحنا بسالومى وأمها. وقصة القرآن تحفل بالبلاغة والبيان وفنون القصّ ، وفيها الموعظة والحكمة. ويقول القرآن : إن زكريا لمّا كفل مريم وعاين كراماتها ، دعا ربّه أن يكون له ولد يرث عنه المال ، ويرث عن آل يعقوب الحكمة والنبوة (مريم ٧) ، ونفهم إذن أن يحيى من نسل يعقوب ، ودعا له زكريا فقال : (وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) (٦) (مريم) ، فنادته الملائكة فى المحراب : (يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (٩) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) (١١) (مريم) ، والرضىّ هو المرضىّ والراضى بقضاء الله فيه ، وتعنى البشارة بيحيى أن دعاء زكريا استجيب له ، وهذه كرامة لزكريا ، وأنه أعطى الولد ليكون له قوة كما تمنّى ، وأنه أفرد باسم يحيى أو يوحنا ، لم يتسمّ به أحد من قبله ، وفى ذلك دليل على أن الأسامى السّنع ـ أى الجميلة أو الفريدة ـ جديرة بالأثرة ، أى يستأثر بها الصفوة من النابهين من أهل الله. ولمّا بشّر زكريا تعجّب أن يكون له الولد وهو قد تجاوز أن يولد له ، وظلت امرأته عاقرا طوال حياتها ، ولكنه كان مؤمنا ويعرف أن من خلقه ولم يكن شيئا قادر على أن يؤتيه سؤله ، وظل متشككا مع ذلك أن تكون البشارة مجرد رؤيا ، أو أن تكون تهيؤات وهلاوس يوحيها الشيطان ، فطلب آية ، فكانت آيته أن لا يكلم الناس : (ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا) (١٠) (مريم) ، وفى الرواية الثانية ألّا يكلم الناس : (ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ) (٤١) (آل عمران) ، بمعنى الصيام عن الكلام مع الناس إلا بالإشارة ، وكان هذا النوع من الصيام معروفا ، فإذا صاموا كانوا لا يتكلمون إلا رمزا. والآية لا تتعارض والحديث النبوى الذى يقول : «لا صمت يوما إلى الليل» ، يعنى لا صمت عن الذكر ، وفى آية زكريا أن يسبّح بكرة وعشيا ، والتسبيح والذكر يكون مع النّفس ، وأما الكلام فيوجّه إلى الغير ، فلما عمل زكريا بما أمره ربّه كانت مثوبته كما قال تعالى : (فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
