وقتها» ، وفى الحديث عن التوبة : «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» ، والغرغرة هى الحشرجة ، وذلك هو حال التلبّس بالموت. ولقد وصف الله تعالى العذاب الذى كشفه عن أهل نينوى بأنه عذاب الخزى ، لأنهم لم يعاينوه ، وإنما وعدهم به يونس. وفى ذلك قال علىّ بن أبى طالب : إن الحذر لا يردّ القدر ، وإن الدعاء ليردّ القدر ، وذلك أن الله تعالى يقول : (إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) (يونس ٩٨) ، وتخلص قصة القرآن إلى ما نخلص إليه منطقيا ، وربما غاب عن يونس عند ما تسرّع ووعد أهل نينوى العذاب : أن الله لا يفرض الإيمان على الناس ، ولو شاء ذلك لآمنوا ، ويتساءل : (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (٩٩) (يونس) والخطاب للنبىّ صلىاللهعليهوسلم ، والسؤال دليل على أن سبيل الإسلام ليس الإكراه على الإيمان ، والمرء فى الإسلام حرّ أن يختار أن يؤمن أو يكفر ، وفى ذلك ردّ على دعاوى أن الإسلام قام على القهر ، وبعد الرسول صلىاللهعليهوسلم يكون الخطاب للدعاة ، فالدعوة إلى الإسلام قوامها أن يختار المدعو فى حرية ، مثلما فعل قوم يونس ، فلم يقسرهم الله على الإيمان بعذاب أنزله بهم ، وإذا كان يونس قد استنزل العذاب على قومه ، فإن النبىّ صلىاللهعليهوسلم قد عذر قومه ودعا لهم. والإيمان قضية عقل ، ولذا يقول تعالى عقب هذه الآيات : (قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) (الإسراء ١٠١) ، والنظر الذى يأمر به الله كسبيل إلى الإيمان من اختصاص العقل ، ولذا قال تعالى : (وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ) (١٠٠) (يونس) ، أى لا يعملون عقولهم وأفهامهم ، ولا يعتبرون ، والرجس هو العذاب. وفضيلة قوم يونس أنهم اعتبروا بسرعة وفهموا فى الوقت المناسب.
فتلك إذن فضائل قصة يونس كما أوردها القرآن ، لا تقارن بها قصة التوراة ، ولا بما استخلصه النصارى منها لإثبات الفداء ، ولهذا كان الإسلام دينا قيّما ، والقرآن كتابا مهيمنا.
* * *
٨٩٣. قصة لقمان الحكيم
كلام المستشرقين فى لقمان كثير ، ولمّا لم يجدوا اسمه فى التوراة ـ وكل شىء فى القرآن يريدون أن ينسبوه إلى التوراة ـ قالوا تسخيفا لشأنه ، واستهزاء بأمره ، أنه شخصية أسطورية من عصور الجاهلية العربية ، يسمونها إمعانا فى تحقيرها ـ ببربرية العرب ، أو همجيتهم ، أو وثنيتهم paganism. والذين تناولوا قصة لقمان اعتبروها من الفولكلور العربى ، وأنكروا أن يكون هناك شخص حقيقى باسم لقمان ، واعتبره المستشرق رينيه باسيه مستعربا من أصول حبشية أو سودانية ، وقال فى وصفه عن المصادر العربية : أنه كان
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
