على نفسها أنها ظلت تعبد الشمس وتظلم نفسها ، وأعلنت عن إسلامها جهرة ؛ قالت : (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) (٤٤) (النمل) ، وهكذا تنتهى قصة بلقيس مع سليمان ، وكانت قصة لنبىّ فى موقف من مواقف الحياة ، يحب الناس أن يطّلع فيها عما يكون من تصرّف الأنبياء مع نساء من أمثال بلقيس ، وإذا كانت بلقيس قد أسلمت ، فقد أفلح سليمان ونجح فى الامتحان ، وسلّمه الله من تجربة لم يتهمه فيها أحد رغم كل ما قيل فيه فى التوراة عن حبّه للنساء من كافة الأجناس من غير الإسرائيليات ، ومن كان يتعلق بهن حبّا لهن ، حتى أنه ضرب رقما قياسيا فى عدد من تزوجهن واشتراهن إماء ، ولم يحدث أن كان لرجل مثل هذا العدد من النساء ، لا فى الماضى ولا فى الحاضر! (الملوك الثالث ١١ / ١ ـ ٢) ، فشتّان إذن بين صورة القرآن عن سليمان وبين صورته فى التوراة!. والحمد لله ربّ العالمين.
* * *
٨٨٠. قصة الغنم والحرث وأن قضاء سليمان أفضل من قضاء داود
يقول تعالى : (وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً) (الأنبياء) ، أى واذكرهما إذ يحكمان كلّ على انفراد ، وكانت القضية حول زرع ، قيل كان كرما نبتت عناقيده ، وفلسطين مشهورة بالكرم ، فرعت فيه ليلا غنم قوم ، والنّفش هو الرعى بالليل ، يقال : نفشت بالليل ، وهملت بالنهار ، إذا رعت بلا راع. وقال لحكمهم ولم يقل لحكمهما مع أنهما اثنان : داود وسليمان ، إلا أنه كان معهما الطرفان الآخران : المتهم والمدّعى. ففهّمها سليمان ـ أى القضية ، وفضل حكم سليمان حكم أبيه ، وذلك أن داود رأى أن يدفع الغنم إلى صاحب الحرث ، وأن يدفع الحرث إلى صاحب الغنم وينتهى الإشكال. وخرج الخصمان على سليمان وكان يجلس على الباب ، ولم يعجبه حكم أبيه ، فأتاه وقال : يا نبىّ الله! إنك حكمت بكذا وكذا ، وإنى رأيت ما هو أرفق بالجميع. قال : ما هو؟ قال : أن يدفع الغنم إلى صاحب الحرث فينتفع بألبانها وصوفها وسمونها ، وتدفع الحرث إلى صاحب الغنم ، ليقوم على الحرث حتى السنة المقبلة ، عند ما يعود الزرع إلى حاله كما كان قبل أن تتلفه الغنم ، فحينئذ يردّ إلى كل واحد منهما ماله. فأعجب الحكم داود ، وقال : وفّقت يا بنى ، لا يقطع الله فهمك! وقضى بما قضى به سليمان ، لأن قيمة ما نال صاحب الحرث من الغنم مساوية لقيمة ما نال صاحب الغنم من الحرث. وهكذا أصاب سليمان وأخطأ داود ، وثبت أن حكم سليمان أفضل من حكم داود ، لأن علم سليمان أكبر من علم داود ، وحكم سليمان بوحى من الله نسخ حكم داود.
* * *
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
