أجنبية من زوجاته كان لها إلهها ، واحترام آلهة الأغيار هو احترام لإله اليهود ، لأنه دعوة لغير اليهود أن يحذو مع إله اليهود حذو اليهود ، وحذو سليمان مع آلهتهم. وصورة سليمان فى كتب اليهود بخلاف صورته فى القرآن ، فهو من ذرية إبراهيم ، ومن المحسنين (الأنعام ٨٦) ، وآتاه الله العلم ، وفضّله على كثير من المؤمنين ، كقوله تعالى : (وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ) (١٦) (النمل) ، قيل : ورث سليمان نبوة داود وملكه ، ولو كانت وراثة مال لكان جميع أولاد داود فى المال سواء ، ولانقسم المال بعددهم ، ولكنها كانت وراثة نبوة ، فلم تكن فيها أولويات للأكبر سنا. والأنبياء لا يورثون المال ولكنهم يورثون النبوّة والحكمة ، وفى الحديث : «إنا معشر الأنبياء لا نورث» ، ونحوه : «العلماء ورثة الأنبياء». وكان سليمان أعظم ملكا من داود ، وأقضى منه (انظر قصة سليمان وداود وغنم الحرث) ، إلا أن داود كان أشد تعبّدا من سليمان ، ولم يحدث أن سخر الله لملك ما سخّره لسليمان من الإنس والجن ، والطير والوحش ، وآتاه ما لم يؤت أحدا من العالمين. وقام سليمان بعد أبيه بشريعة موسى ولم ينسخها بالرغم من أنه نبىّ ، وكذلك فعل داود ، إلى أن بعث المسيح فنسخها. وكان علم سليمان بمنطق الطير ، أى بأصواته وما يمكن أن تعنيه ، والدراسات فى ذلك الآن كثيرة فلا غرابة فى ذلك ، قال تعالى : (وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) (١٧) (النمل) ، والحشر هو : الجمع ، وكانوا من كثرتهم يوزعون ، أى يكفّون ويردّ أولهم إلى آخرهم ، والتوزيع بمعنى التفريق ، والوازع هو السلطان ، والناس لا بد لهم من وازع يزعهم ، والوزعة هى التى يوزع بها ، ومن أقوال عثمان بن عفان : «ما يزع الإمام أكثر مما يزع القرآن» ، يعنى حدود القرآن تردع الناس أكثر مما تردعهم قدرة السلطان. ومن أجمل القصص القرآنى قصة النملة مع سليمان وجنوده (انظر قصص القرآن) ، قالت لأخواتها : (ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) (١٨) (النمل) ، ففهمها سليمان وتبسّم ضاحكا لقولها «وهم لا يشعرون» ، إشارة إلى الدين والعدل والرأفة. والنمل له منطق ، والدراسات فى حركاته وإشارته كثيرة ، وهى لغة من لغات الحشرات ، وجميعها تتفاوت لغاتها بتفاوت أفهامها ، والعلماء على القول بأن أعقل الطير هو الغراب ، وأعقل الحشرات النمل والنحل ، وأعقل الحيوان الحمار. ويستوجب هذا العلم الشكر من سليمان ، فقال فى دعائه : (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ) (١٩) (النمل). وقصته الأخرى كانت مع الهدهد ، فلمّا افتقده جاء إليه يعتذر أنه أحاط بما لم يحط به ، وتلك دلالة على أن فوق
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
