القرآن كلام متكلم لم نصل إلى مراده بالسماع منه ، وتفسير القرآن على وجه القطع كان الأحرى أن يسمع به من الرسول صلىاللهعليهوسلم ، أو يسمع ممن سمع منه ، وهو متعذّر فى كل القرآن ، ولم يبق إلا العلم بالمراد بالاستنباط بالأمارات والدلائل ، والحكمة فى ترك ذلك إلى العباد إنما لكى يتفكّروا فيه ، ولذلك لم يأمر الله نبيّه صلىاللهعليهوسلم بالتنصيص على تفسيرات دون تفسيرات ، وإنما كان الرسول صلىاللهعليهوسلم يصوّب رأى المفسرين ، فصار ذلك دليلا على جواز التفسير من غير سماع من الله تعالى ورسوله صلىاللهعليهوسلم.
* * *
١٣٣. من يجوز له الاضطلاع بالتفسير؟
وهل ذلك جائز لكل أحد؟ ومن هم أشهر المفسرين؟
لما كان التفسير علما فالمضطلع به لا بد أن يكون من أصحاب هذا العلم ، وإلا فليس له أن يتقوّل فى التفسير إلا بما هو مأثور عن السلف. والتفسير على أقسام ، الأول : أن يعرف المسلم الحلال والحرام مما ورد فى القرآن ، وهذا لا يعذر أحد بجهالته ؛ والثانى : التفسير للألفاظ والعبارات بالمعهود منها فى اللغة ؛ والثالث : تفسير العلماء. وهذه الأقسام الثلاثة محدودة المجال ، ويتجاوزها التفسير الذى يهدف إلى تجلية هدايات القرآن وبيان تعاليمه ، وحكمه ما اشترعه الله على الناس ، يدفع به المفسر إلى الاهتداء يهدى الله ، وهو التفسير الخليق باسم التفسير ، وبمثله تنكشف كنوز القرآن وذخائره ، ويتوفر فهمه وتدبّر آياته ، واستلهام رشده ، وانطباع مطلوباته فى النفوس ، ونقشها بالعقول ، فتعلو بها الهمم ، وتتهذب بها الأخلاق ، ويكون التذكّر والاعتبار.
وقد ذهب البعض إلى تعديد المفسرين بحسب ما ذهبوا إليه فى تفاسيرهم ، فالذى يلجأ إلى بيان ما فى القرآن بروايات من السنّة ، أو كلام الصحابة فتفسيره بالمأثور ، وكانت لكبار الصحابة تفسيرات للقرآن ، واشتهر من هؤلاء عشرة مفسّرين ، هم : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلىّ ، ثم ابن مسعود ، وابن عباس ، وأبىّ بن كعب ، وزيد بن ثابت ، وأبو موسى الأشعرى ، وعبد الله بن الزبير. وكان هناك آخرون من الصحابة أدلوا بدلوهم فى التفسير ولكنهم مقلّون. وليس كل ما يذكر عن التفاسير عن علىّ وابن عباس قد صدر منهما فعلا ، فالمتقوّلون عليهما أكثروا فى ذلك ، والوضّاع أسهبوا فى الوضع ، والصحيح مما نسب إلى الصحابة قليل بالنسبة لغير الصحيح. والرواة عن ابن عباس لم يكونوا على درجة كبيرة من الإتقان ، وفى ذلك قال الشافعى : لم يثبت عن ابن عباس إلا شبيه بمائة حديث. وعلىّ أسرف الشيعة بشأنه ، فنسبوا إليه ما هو برىء منه ، ودسّوا عليه الكثير.
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
