الحرب بين الفلسطينيين واليهود على ذلك ، لأنها لم تكن موقعة على الحقيقة ، ولكنهم كانوا جماعة من هؤلاء وأولئك يقفون فى صفين متقابلين ، فيخرج من هؤلاء واحد فيلاقيه واحد من أولئك ، فلما خرج جوليات تصدّى له داود بأدوات بدائية ، وبسبب جسارته وحيلته ، صار داود ملكا ، واعتبر خلعه للباس الحرب الذى ألبسه إياه شاول ، دليل ذكاء يحسب له كمحارب ، لأن جوليات كان يضع عدّة الحرب فكانت ثقيلة تبطئ حركته ، فاستغل داود تلك السلبية فيه ، وأسرع يلتف حوله ليتمكن منه.
ويعرض القرآن لقصة جالوت مع داود ضمن سورة البقرة وخلال سرده لقصة طالوت الذى هو شاول بالعبرية ، فقد كان شاول وجنوده قد جاوزوا النهر إلى جت ، فلما علموا أنهم ملاقو جالوت وجنوده قالوا : (لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) (٢٥٢) (البقرة). وبمقارنة قصة صموئيل السالفة بقصة القرآن هذه ، يتبين الاختلاف بينهما كأوسع ما يكون الاختلاف ، والقصص فى الروح اليهودية للسرد تفصيلا وتهويلا بقصد إظهار عظمة شعب اليهود لا غير ، وأما فى الروح العربية فالقصص للعبرة والتدبّر ، وفيها الحكم ، وعباراتها تزجى كالأمثلة ، ومنها الكثير مما يعد من جوامع الكلم. ولم يورد القرآن اسم جالوت كشخصية تاريخية ، وإنما كرمز للقوة الغاشمة ، وفساد فرط الثقة بالنفس ، وعقم البغى وبطلان العدوان ، اعتمادا على القوة بلا إيمان. وجنود جالوت فى الرواية القرآنية هم أصحابه من جنسه وهيئته وصنعته. وليس فى الروايتين اليهودية والقرآنية أى ذكر لعدد الجنود من الجانبين. وفى الرواية اليهودية أن اليهود كانوا غالبية يملؤهم الخوف وإيمانهم على حرف ، ولم يرد أى شىء عن المؤمنين. وفى الرواية القرآنية فإن الدليل على قلة إيمان هذه الغالبية ، قولهم لا طاقة لنا بجالوت وجنوده ، غير أنه كان ضمن هؤلاء ثلة شديدة الإيمان ، وهؤلاء هم القلة الذين اجتازوا النهر وأطاعوا طالوت فلم يتناولوا من مائه ولو شربة ، وقال فيهم القرآن : (قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ) (البقرة ٢٤٩) ، والظن يتوسط الشك والوهم ، فالشك سلبى ، والظن لا هو بالسلب ولا بالإيجاب ، فإن مال للإيمان وللإيجابية صار يقينا ، وإن نحا إلى السلبية فهو الشك ، وإن كان على خطأ ظاهر فهو الوهم. وظن هؤلاء كان يقينا ، لأنهم قالوا : (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
