بينهما ، فيشوع أول الأنبياء وصمويل آخرهم. ويشوع عبر نهر الأردن ، وكلمة «نهر» فى القصة بلبلت الرواة والمفسّرين العرب ، ولا وجود للأردن فى قصة طالوت القرآنية. ومع ذلك فإن طالوت يصدق عليه أنه أتى بالتابوت ليسكنه فى مكانه بعد أن استولى عليه الفلسطينيون واحتفظوا به لديهم سبعة أشهر ، إلا أنهم أعادوه من تلقاء أنفسهم ، واستقر التابوت فى قرية يعاريم ، واستمر بها مصونا طوال فترة حكم شاول التى استمرت سنتين ، وهى آية لا شك فيها لكثرة ما نقل التابوت من مكان إلى مكان ، ولطول ما تبادلته الأيدى ، ولاستقراره فى حكم شاول. ثم إن شاول وقد كان معه التابوت (ملوك أول ١٤ / ١٨) ، أراد العبور به بينما الفلسطينيون يتربصون به الدوائر ، ولم يكن معه إلا فئة قليلة من الجند كما ذكر القرآن ، وأحصاهم التوراة ستمائة رجل (ملوك أول ١٤ / ٢ ـ ٦) ، فلأنهم قلة اعتراهم الخوف من عدوهم ، ولكنهم غامروا وعبروا وانتصروا وإنما بالحيلة. ويأتى فى القرآن أنهم شربوا من النهر إلا قلة ، والمقصود بالنهر على الحقيقة نهر الشريعة ، وكان ذلك من شاول أنه حلف عليهم أن لا يذوقوا طعاما قبل أن ينتصروا ، فلما صادفتهم غابة واخترقوها كان عسل النحل يجرى فى أشجارها أنهارا ، لكنهم خافوا أن يقربوه لأنهم أقسموا ، ولم يكن ابن شاول قد سمع بالقسم فمد يده بعصا يأخذ من نهر العسل ويتذوقه ، وفعل مثله آخرون وكانوا قلة ، وقلّدهم آخرون ، وشربوا من نهر العسل ، ثم إنهم لمّا انتصروا وغنموا الغنائم ذبحوا الذبائح حتى سالت دماؤها أنهارا ، فشربوا من نهر الدم ، ومن أجل أنهم نكثوا بأيمانهم غضب عليهم شاول وعاقبهم ، فالنهر فى القرآن هو هذا النهر الذى ذكرنا.
وأما حكاية جالوت مع شاول فإنه لمّا خرج مبارزا لجماعة شاول وكانوا قلة ، وصاح فيهم ما سمعوه جميعا ، فلو كانوا بالآلاف لما بلغهم صياحه ، فكانوا قلة فعلا (ملوك أول ١٧ / ١٠ ـ ١٢). واسم جالوت أو جليات بالعبرية معناه السبىّ بالسريانية ودخل العبرية بهذا المعنى ، وقيل : كان جالوت من عبيد الفلسطينيين. والأصح أن جالوت هو تصحيف عبرى للفظ الجوّال من جال بمعنى الكرّار ، الذى يجتال بسيفه ويلعب به ويديره على جوانبه.
والقصة القرآنية فى غاية البلاغة والإحكام والإيجاز ولاتدانها قصة التوراة ، وأنهاها الحق تعالى بعبارة هى فصل الخطاب ، قال : (تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) (٢٥٢) (البقرة) أى هذه آيات الله التى قصصنا عليك من أمر الذين ذكرناهم بالحق ، والواقع الذى كان عليه الأمر المطابق لما بأيدى أهل الكتاب مما يعلمه علماء بنى إسرائيل ، وهو ما يثبت أنك يا محمد من المرسلين.
* * *
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
