على القدرية الذين يقصرون الأفعال على الإنسان دون الله. وفى سفر الخروج ، الإصحاح التاسع عشر ، يأتى أن الربّ وعد موسى أن يتنزّل على الجبل ، واشترط عليه أن لا يقرب الجبل أحد من الشعب ، فكان الربّ يخاطب موسى ، وينقل موسى إلى الشعب ما يأمره به (٢١ / ٢٥) ، وفى الإصحاح الخامس والعشرين يحدث العكس ، فيرى موسى الربّ ويراه السبعون ، ويأكلون ويشربون (١٠ / ١١) ، ومع ذلك جاء فى سفر الخروج أيضا عن الله يخاطب موسى ، قال : «أما وجهى فلا تستطيع أن تراه ، لأنه لا يرانى إنسان ويعيش» (الإصحاح ٣٣ / ٢٠ ـ ٢٢) ، فكأن عبارات التوراة فيها اضطراب ، وتعارض بعضها البعض ، فمرة يكون من الممكن رؤية الله فى الدنيا ، ومرة يحظر ذلك ويستحيل!.
* * *
٨٦١. قصة الثلاثة آلاف الذين انتحروا جماعيا والسبعين الناجين
هؤلاء هم المنتحرون انتحارا جماعيا ، وهو أول انتحار جماعى فى التاريخ ، يذكره سفر الخروج (٣٢ / ١٩ ـ ٣٠) ، وكانوا عبرانيين آبقين قال فيهم القرآن : (قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ) (١٤٠) (الأعراف) ، وكانوا ما تزال عبادة العجل فى ذاكرتهم ، يقول «فرويد» عالم النفس اليهودى فى تفسير ذلك : «إن العجل وعبادته فى اللاشعور الجمعى لبنى إسرائيل» ، يقصد بالعجل «المال» ، وظلت عبادة العجل تلاحقهم حتى وهم فى المهجر فى مصر ، وكانوا يعبدونه فى أرض جاسان التى هى محافظة الشرقية من أرض مصر ، حيث كانت مساكنهم آنذاك ، حتى أن عبادتهم له سرت فى أهل هذا الإقليم كله من أرض مصر ، فكانت عبادة العجل أبيس. وبنو إسرائيل كانوا قوما يجهلون ، فلم يفرّقوا بين تعدّد الآلهة والتوحيد ، وعبادة الأصنام وعبادة الله الواحد ، وقلّدوا ما شاهدوه عند غيرهم ، وآثروا الباطل على الحق الذى يدعوهم إليه موسى ، كقول المسلمين للنبىّ صلىاللهعليهوسلم قبل حنين : يا نبىّ الله ، اجعل لنا هذه ـ يريدون شجرة السدر ـ ذات أنواط ـ وكان الكفار ينوطون عليها (أى يعلّقون عليها) سلاحهم ، ويعكفون حولها ، فقال لهم النبىّ صلىاللهعليهوسلم : «الله أكبر! هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى ، اجعل لنا إلها كما لهم آلهة!». فلما توجه موسى إلى الجبل ليتلقى ألواح التوراة ، وغاب أربعين يوما ، ضلّ من ضل من بنى إسرائيل ، وغواهم السامرى ، فجمعوا الحلى وصنعوا عجلا من ذهب له خوار ، وما كان العجل يرجع إليهم قولا ، ولا كان يملك لهم ضرّا ، ولا يكلمهم ، ولا يهديهم
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
