غيره في العبادة فيسوون بينه وبين غيره في الحب والعبادة. وكذلك قوله المشركين في النار لأصنامهم (تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ) [الشعراء : ٩٧ ـ ٩٨] ؛ ومعلوم قطعا أنّ هذه التسوية لم تكن بينهم وبين الله في كونهم خالقيهم ، فإنهم كانوا ـ كما أخبر الله عنهم ـ مقرّين بأنّ الله تعالى وحده هو ربّهم وخالقهم ، وأنّ الأرض ومن فيها لله وحده ، وأنه ربّ السموات وربّ العرش العظيم ، وأنّه هو الذي بيده ملكوت كلّ شيء ، وهو يجير ولا يجار عليه ... وإنما كانت هذه التسوية بينهم وبين الله تعالى في المحبّة والعبادة ؛ فمن أحبّ غير الله تعالى ، وخافه ، ورجاه ، وذلّ له ـ كما يحبّ الله ويخافه ويرجوه ـ فهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله تعالى ..! فعياذا بالله! من أن ينسلخ القلب من التوحيد والإسلام ، كانسلاخ الحيّة من قشرها ، وهو يظنّ أنّه مسلم موحّد ..!
وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة في بعض فتاويه :
والمتّخذ إلهه هواه ، له محبّة كمحبّة المشركين لآلهتهم ، ومحبّة عبّاد العجل له ، وهذه محبّة مع الله لا محبّة لله! وهذه محبّة أهل الشرك ..! والنفوس قد تدّعي محبّة الله ، وتكون في نفس الأمر محبّة شرك تحبّ ما تهواه وقد أشركته في الحب مع الله! وقد يخفى الهوى على النفس ، فإنّ حبّك الشيء يعمي ويصمّ ..! وهكذا الأعمال التي يظنّ الإنسان أنه يعملها لله وفي نفسه شرك قد خفي عليه وهو يعلمه : إمّا لحبّ رئاسة ، وإمّا لحبّ مال ، وإمّا لحبّ صورة ..! ولهذا قالوا (١) : يا رسول الله! الرجل يقاتل شجاعة وحميّة ورياء ، فأيّ ذلك في سبيل الله؟ قال : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ..! فلمّا صار كثير من الصوفية النسّاك المتأخّرين يدّعون المحبّة ـ ولم يزنوها بميزان العلم والكتاب والسّنّة ـ دخل فيها نوع من الشرك واتّباع الأهواء. والله تعالى قد جعل محبّته موجبة لاتباع رسوله فقال : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ) [آل عمران : ٣١] ، وهذا ، لأن الرسول هو الذي يدعو إلى ما يحبّه الله ، وليس شيء يحبّه الله إلا والرسول يدعو إليه ..! وليس شيء يدعو إليه الرسول إلّا والله يحبّه ..! فصار محبوب الربّ ومدعوّ.
__________________
(١) أخرجه البخاريّ في : العلم ، ٤٥ ـ باب من سأل ، وهو قائم ، عالما جالسا. حديث ١٠٥. ونصه : عن أبي موسى قال : جاء رجل إلى النبيّ صلىاللهعليهوسلم فقال : يا رسول الله! ما القتال في سبيل الله؟ فإن أحدنا يقاتل غضبا ويقاتل حمية. فرفع إليه رأسه (قال : وما رفع إليه رأسه إلا أنه كان قائما) فقال : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ، فهو في سبيل الله عزوجل.
![تفسير القاسمي [ ج ١ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3902_tafsir-alqasimi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
