فاعله ، قال تعالى (سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ) [الأعراف : ١١٦] ، يعني موّهوا عليهم حتى ظنوا أن حبالهم وعصيّهم تسعى. وقد يستعمل مقيدا : فيما يمدح ويحمد ، كما قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم لعمرو بن أهتم : «إن من البيان لسحرا» (١) ، لأن صاحبه يوضح الشيء المشكل ، ويكشف عن حقيقته بحسن بيانه ، وبليغ عبارته. وبالجملة ، فالسحر المطلق إنما هو تخييل بشعوذة صارفة للأبصار ، أو تمتمة مزخرفة عائقة للأسماع ، فلا يغير حقائق الأشياء ، ولا ينقل الصور. وقوله تعالى : (وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) قال الراغب : الإذن قد يقال في الإعلام بالرخصة ، ويقال للعلم ، ومنه آذنته بكذا ، ويقال للأمر الحتم. وينبغي أن يعلم أن الإذن في الشيء من الله تعالى ضربان :
أحدهما : الإذن لقاصد الفعل في مباشرته. نحو قولك : أذن الله لك أن تصل الرحم.
والثاني : الإذن في تسخير الشيء على وجه تسخير السم في قتله من يتناوله ، والترياق في تخليصه من أذيته. فإذن الله تعالى وقوع التسخير وتأثيره من القبيل الثاني ، وذلك هو المشار إليه بالقضاء ، وعلى هذا يقال : «الأشياء كلها بإذن الله وقضائه» ولا يقال : الأشياء كلها بأمره ورضاه وقوله تعالى : (وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ) إرشاد إلى أن ليس في تعلم السحر إلا المضرة ، لما فيه من التلبيس والتمويه ، وإيهام الباطل حقا ، والتوصل به إلى المفاسد والشرور. وقوله سبحانه (وَلا يَنْفَعُهُمْ) صرح به إيذانا بأنه ليس من الأمور المشوبة بالنفع والضرر ، بل هو شر بحت ، وضرر محض. وقوله تعالى : (وَلَقَدْ عَلِمُوا) أي اليهود الذي حكيت ضلالاتهم. وقوله (لَمَنِ اشْتَراهُ) أي استبدل ما تتلو الشياطين بكتاب الله ، والحق الذي أنزله. وقوله (ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) أي نصيب ، لإقباله على التمويه والكذب ، واستعمال ذلك في اكتساب حطام الدنيا وتمتعاتها. وفيه إشارة إلى أن اختيارهم للسحر ، ليس من جهلهم بضرره ، بل أتوا ما أتوا عن علم بعاقبته السوأى. وقوله تعالى : (وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ) أي ما باعوا به حظهم الأخرويّ ، حتى كأنهم أتلفوا أنفسهم ، وإنما نفى عنهم العلم بقوله (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) مع إثباته لهم على سبيل التوكيد القسميّ بقوله (وَلَقَدْ عَلِمُوا) ـ لأن معناه لو كانوا يعلمون بعلمهم. فجعلهم غير عالمين ، لعدم عملهم بموجب علمهم. ولما بين سبحانه ما عليهم فيما ارتكبوا من المضار
__________________
(١) أخرجه أبو داود في : الأدب ، ٨٦ ـ باب ما جاء في المتشدق في الكلام ، حديث ٥٠٠٧.
![تفسير القاسمي [ ج ١ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3902_tafsir-alqasimi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
