(تنبيه) ما نقلناه عن ابن جرير وابن كثير في تفسير (ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ) هو الأنسب باعتبار سوق الآية الكريمة ، ولا يتوهم من ذلك دفع تحريفهم اللفظيّ عن التوراة ، فإنه واقع بلا ريب ، فقد بدلوا بعضا منها وحرفوا لفظه ، وأوّلوا بعضا منها بغير المراد منه ، وكذا يقال في الإنجيل. ويشهد لذلك كلام أحبارهم ، فقد نقل العلامة الجليل الشيخ رحمهالله الهنديّ في كتابه (إظهار الحق) : أن أهل الكتاب سلفا وخلفا ، عادتهم جارية بأنهم يترجمون غالبا الأسماء في تراجمهم ، ويوردون بدلها معانيها ، وهذا خبط عظيم ومنشأ للفساد ، وأنهم يزيدون تارة شيئا بطريق التفسير في الكلام ، الذي هو كلام الله في زعمهم ، ولا يشيرون إلى الامتياز ، وهذان الأمران بمنزلة الأمور العادية عندهم. ومن تأمل في تراجمهم المتداولة بألسنة مختلفة وجد شواهد تلك الأمور كثيرة. ثم ساق بعضا منها فانظره.
وفي ذخيرة الألباب ، لأحد علماء النصارى ، ما مثاله : إن بعضهم ذهب إلى أن الروح القدس لم يق الكتبة عثرة الخطأ الطفيف ، ولا كفاهم زلة القدم حتى لم يستحل أنهم خلطوا البشريات بالإلهيات. وفيه أيضا : إن بين النسخة العبرانية والسامرية واليونانية من الأسفار الخمسة خلافا عظيما في أمر التاريخ. فإذا تحريف الأسفار الخمسة أمر بيّن. وفيه أيضا في الفصل (٣١) : أن بعض علمائهم زعم أنه وجد في الترجمة اللاتينية العامية للعهدين العتيق والجديد نيفا وأربعة آلاف غلطة ، ورأى آخر فيها ما يزيد على الثمانية آلاف خطأ. انتهى. فثبت من شهادتهم وقوع التحريف اللفظيّ فيها. وهو المقصود.
وأما القول بتحريف الأسفار كلها أو جلها ، فهو إفراط. قال الحافظ ابن حجر في أواخر شرح الصحيح في باب قول الله تعالى : (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ) [البروج : ٢١] : إن القول بأنها بدلت كلها مكابرة. والآيات والأخبار كثيرة في أنه بقي منها أشياء كثيرة لم تبدل. من ذلك قوله تعالى : (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ) [الأعراف : ١٥٧] الآية. ومن ذلك قصة رجم اليهوديين (١) وفيه وجود آية الرجم ويؤيده قوله تعالى (قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ
__________________
(١) أخرجه البخاريّ في : المناقب ، باب قول الله تعالى : (يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ). عن عبد الله بن عمر ، رضي الله عنهما ، أن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا. فقال لهم رسول الله صلىاللهعليهوسلم «ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟» فقالوا : نفضحهم ويجلدون. فقال عبد الله بن سلام : كذبتم. إن فيها الرجم.
![تفسير القاسمي [ ج ١ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3902_tafsir-alqasimi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
