فقال يعقوب : السلام عليك يا مذهب الأحزان. وروي أنهما نزلا وتعانقا. وقال الثوري : لما التقى يعقوب ويوسف عليهماالسلام عانق كل واحد منهما صاحبه وبكيا ، فقال يوسف : يا أبت بكيت [عليّ](١) حتى ذهب بصرك ألم تعلم أن القيامة تجمعنا؟ قال : بلى يا بني ولكن [فارقتك وأنت صغير](٢) ، فخشيت أن تسلب دينك فيحال بيني وبينك.
(فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠))
فذلك قوله : (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ) ، أي : ضمّ إليه ، (أَبَوَيْهِ) ، قال أكثر المفسّرين : هو أبوه وخالته ليّا ، وكانت أمه راحيل قد ماتت في نفاس بنيامين. قال (٣) الحسن (٤) : هو أبوه وأمه وكانت حيّة. وفي بعض التفاسير : أن الله عزوجل أحيا أمه حتى جاءت مع يعقوب إلى مصر (١). (وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ) ، فإن قيل : فقد قال فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه ، فكيف قال ادخلوا مصر بعد ما أخبر أنهم دخلوها؟ وما وجه هذا الاستثناء وقد حصل الدخول؟ قيل : إن يوسف إنما قال لهم هذا القول حين تلقّاهم قبل دخولهم مصر ، وفي الآية تقديم وتأخير ، والاستثناء يرجع إلى الاستغفار وهو من قول يعقوب لبنيه سوف أستغفر لكم ربي إن شاء الله. وقيل : الاستثناء يرجع إلى الأمن من الجواز لأنهم كانوا لا يدخلون مصر قبله إلّا بجواز من ملوكهم ، يقول : آمنين من الجواز إن شاء الله ، كما قال : (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ) [الفتح : ٢٧] ، وقيل : (إِنْ) هاهنا بمعنى إذ ، يريد إذ شاء الله ؛ كقوله تعالى : (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [آل عمران : ١٣٩] ، أي : إذ كنتم مؤمنين.
(وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ) ، أي : على السرير ، أجلسهما [عليه](٥). والرفع : هو النقل إلى العلوّ. (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً) ، يعني : يعقوب وخالته وإخوته وكان (٦) تحية الناس يومئذ [لملوكهم](٧) السجود ، ولم يرد بالسجود وضع الجباه على الأرض ، وإنما هو الانحناء والتواضع. وقيل : وضعوا الجباه على الأرض وكان ذلك على طريق التحيّة والتعظيم ، لا على طريق العبادة. وكان ذلك جائزا في الأمم السالفة فنسخ في هذه الشريعة.
وروي عن ابن عباس أنّه قال : معناه خرّوا لله عزوجل سجّدا بين يدي يوسف. والأول أصح. (وَقالَ) يوسف عند ذلك : (يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا) ، وهو قوله : (إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ) [يوسف : ٤]. (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي) ، [ربي](٨) ، أي : أنعم عليّ ، (إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ) ، ولم يقل من الجبّ مع كونه أشدّ [بلاء](٩) من السجن استعمالا للكرم
__________________
(١) هذا وأمثاله من الإسرائيليات ، لا حجة في شيء من ذلك ، والله تعالى أعلم.
__________________
(١) زيادة عن المخطوط.
(٢) زيد في المطبوع.
(٣) في المخطوط «وقيل».
(٤) زيادة عن المخطوط وط.
(٥) زيادة عن المخطوط.
(٦) في المطبوع «وكانت».
(٧) زيادة عن المخطوط.
(٨) زيد في المطبوع وط.
(٩) زيد في المطبوع وط.
![تفسير البغوي [ ج ٢ ] تفسير البغوي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3895_tafsir-albaghawi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
