[يسرق](١) «إن سرق فاقطعوا يده ، ثم إن سرق فاقطعوا رجله ، [ثم إن سرق فاقطعوا يده ، ثم إن سرق فاقطعوا رجله»](٢).
وذهب قوم إلى أنه إن سرق ثالثا بعد ما قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى لا يقطع ، بل يحبس ، روي ذلك عن عليّ رضي الله عنه وقال : إني لأستحي أن لا أدع له يدا يستنجي بها ولا رجلا يمشي بها (١) ، وهو قول الشعبي والنخعي ، وبه قال الأوزاعي وأحمد وأصحاب الرأي. قوله تعالى : (جَزاءً بِما كَسَبا) ، نصب على الحال والقطع ، ومثله : (نَكالاً) ، أي : عقوبة ، (مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).
(فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠) يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا
__________________
وله شاهد من حديث الحارث اللخمي «أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم أتي بلص فقال : اقتلوه. فقالوا : يا رسول الله إنما سرق. فقال : اقتلوه. قالوا : يا رسول الله إنما سرق. قال : اقطعوا يده. ثم سرق فقطعت رجله ، ثم سرق على عهد أبي بكر حتى قطعت قوائمه كلها ، ثم سرق الخامسة فأمر بقتله ...» الحديث. وفيه : قال أبو بكر : «كان رسول الله صلىاللهعليهوسلم أعلم به حين قال : اقتلوه».
أخرجه النسائي (٨ / ٨٩ ، ٩٠) والحاكم (٤ / ٣٨٢) والطبراني كما في «نصب الراية» (٣ / ٣٧٢) والبيهقي (٨ / ٢٧٢).
وصححه الحاكم. ورده الذهبي بقوله : بل منكر اه.
ولم يبين الذهبي وجه النكارة ، ولعله استنكر المتن ، ورجاله ثقات إلا أن عفان بن مسلم الباهلي وثقه ابن حجر في «التقريب» لكن أنه عاد فقال : قال ابن معين : أنكرناه في صفر سنة تسع عشرة. أي : ٢١٩ ومات بعدها بيسير ا ه.
وله شاهد آخر من حديث جابر بنحو حديث الحارث اللخمي المتقدم ، أخرجه أبو داود ٤٤١٠ والنسائي (٨ / ٩٠ ، ٩١) والبيهقي (٨ / ٢٧٢) وسكت عليه أبو داود ، وقال النسائي : هذا حديث منكر ، ومصعب بن ثابت ليس بالقوي في الحديث والله تعالى أعلم ا ه.
وذكر المنذري في «مختصره» ٤٢٤٨ كلام النسائي وزاد : مصعب الزبيري ضعفه غير واحد ا ه.
قلت : وهذا خبر منكر لم يعمل الفقهاء بقتل السارق ، ولو تكرر منه ، وإن صح فهو محمول على كون هذا الرجل إما منافقا أو فاسقا ، وأن الله عزوجل أطلع نبيه على حقيقة هذا الرجل.
وقد جاء في «تلخيص الحبير» (٤ / ٦٩) ما ملخصه : قال النسائي : هذا حديث منكر. ولا أعلم فيه حديثا صحيحا.
وقال ابن عبد البر : حديث القتل منكر لا أصل له. وقد قال الشافعي : هذا حديث منسوخ لا خلاف فيه عند أهل العلم ا ه.
الخلاصة : الحديث غير قوي ، وهو معارض بحديث : «لا يباح دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ....» الحديث. وبقوله تعالى : (فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما) فلا يجوز التعدي بذلك إلى القتل أضف إلى ذلك الإجماع ، فالحديث لم يصح ، وهو منسوخ بكل حال وهذا الكلام : أن يصل الأمر به إلى القتل أما أن تقطع يده الأخرى أو رجله ، فهذا مختلف فيه بين أهل العلم ، وسيأتي عن علي رضي الله عنه ما يخالف هذا ، ووافقه كثير من الصحابة.
وانظر «فتح القدير» لابن الهمام (٥ / ٣٦٥) وكتاب «العدة شرح العمدة» ص ٦٣٥ و «أحكام القرآن» ٧١١ ، ٧١٤ و «تفسير القرطبي» ٢٦٨١ ، ٢٦٨٣ وجميعا بتخريجي ، ولله الحمد والمنة.
(١) أثر علي أخرجه الدارقطني (٣ / ١٨٠) والبيهقي (٨ / ٢٧٥) وهو موقوف صحيح.
__________________
(١) زيادة عن ط.
(٢) زيد في المخطوط وط.
![تفسير البغوي [ ج ٢ ] تفسير البغوي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3895_tafsir-albaghawi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
