يسقط عنه القطع ، وإن كان قد جمع بينهما يسقط عنه تحتم [القطع و](١) القتل والصلب ، ويجب ضمان المال وهو قول الشافعي رضي الله عنه ، وقال بعضهم : إذا جاء تائبا قبل القدرة عليه لا يكون لأحد عليه تبعة في دم ومال إلا أن يوجد معه مال بعينه فيردّه إلى صاحبه ، وروي عن علي رضي الله عنه في حارثة بن يزيد كان [قد](٢) خرج محاربا فسفك الدماء وأخذ المال ثم جاء تائبا قبل أن يقدر عليه ولم يجعل عليّ رضي الله عنه [عليه](٣) تبعة ، أما من تاب بعد القدرة عليه فلا يسقط عنه شيء منها ، وقيل : كل عقوبة تجب حقا لله عزوجل من عقوبات قطع الطريق وقطع السرقة وحدّ الزّنا والشرب تسقط بالتوبة بكل حال ، والأكثرون على أنها لا تسقط.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٧) وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨))
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا) ، واطلبوا ، (إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) ، أي : القربة ، فعيلة من توسل إلى فلان بكذا ، أي : تقرب إليه وجمعها وسائل ، (وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ) ، أخبر أن الكافر لو ملك الدنيا كلها ومثلها معها ثم فدى بذلك نفسه من العذاب لم يقبل منه ذلك الفداء ، (وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ).
(يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها) ، فيه وجهان ، أحدهما : أنهم يقصدون ويطلبون المخرج منها ؛ كما قال الله تعالى : (كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها) [الحج : ٢٢] ، والثاني : أنهم يتمنّون ذلك بقلوبهم ؛ كما قال الله تعالى إخبارا عنهم : (رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها) [المؤمنون : ١٠٧] ، (وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ).
(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما) ، أراد به أيمانهما ، وكذلك هو في مصحف عبد الله بن مسعود ، وجملة الحكم : أن من سرق نصابا من المال من حرز لا شبهة له فيه تقطع يده اليمنى من الكوع ، ولا يجب القطع بسرقة ما دون النصاب عند [عامة](٤) أهل العلم ، حكي عن ابن الزبير أنه كان يقطع في الشيء القليل ، وعامّة العلماء على خلافه واختلفوا في القدر الذي يقطع [فيه](٥) ، فذهب أكثرهم إلى أنه لا يقطع في أقل من ربع دينار ، فإن سرق ربع دينار أو متاعا قيمته ربع دينار يقطع ، وهو قول أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ رضي الله تعالى عنهم ، وبه قال عمر بن عبد العزيز والأوزاعي والشافعي ، لما :
[٧٨٩] أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا
__________________
[٧٨٩] ـ إسناده صحيح ، الشافعي فمن دونه ثقات وقد توبعوا ، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم ، ابن عيينة هو سفيان وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري ، عمرة هي بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة.
__________________
(١) زيادة عن المخطوط.
(٢) زيادة عن المخطوط.
(٣) سقط من المطبوع.
(٤) زيادة عن المخطوط.
(٥) في المخطوط وط «به».
![تفسير البغوي [ ج ٢ ] تفسير البغوي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3895_tafsir-albaghawi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
