فإذا قابيل قد قتل هابيل ، فأنشأ يقول وهو أول من قال الشعر (١) :
|
تغيرت البلاد ومن عليها |
|
فوجه الأرض مغبرّ قبيح |
|
تغير كل ذي طعم ولون |
|
وقلّ بشاشة الوجه المليح |
وروي عن ميمون بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : من قال إن آدم عليهالسلام قال شعرا فقد كذب [على الله ورسوله] ، إن محمدا صلىاللهعليهوسلم والأنبياء كلّهم عليهمالسلام في النهي عن الشعر سواء.
ولكن لما قتل قابيل هابيل رثاه آدم وهو سرياني ، فلما قال آدم مرثيته قال لشيث : يا بني إنك وصي احفظ هذا الكلام ليتوارث فيرقّ الناس عليه ، فلم يزل ينقل حتى وصل إلى يعرب بن قحطان ، وكان يتكلّم بالعربية والسريانية وهو أول من خطّ بالعربية ، وكان يقول الشعر فنظر في المرثية فردّ المقدم إلى المؤخر ، والمؤخر إلى المقدم ، ووزنه شعرا وزاد فيه أبيات منها (٢) :
|
وما لي لا أجود بسكب دمع |
|
وهابيل تضمنه الضريح |
|
أرى طول الحياة عليّ غما |
|
فهل أنا من حياتي مستريح |
فلما مضى من عمر آدم عليهالسلام مائة وثلاثون سنة ، وذلك بعد قتل هابيل بخمس سنين ولدت له حواء شيئا [وتفسيره هبة الله](١) ، يعني إنه خلف من هابيل علّمه الله تعالى ساعات الليل والنهار ، وعلّمه عبادة الخالق في كل ساعة منها ، وأنزل عليه خمسين صحيفة فصار وصيّ آدم وولي عهده ، وأما قابيل فقيل له : اذهب طريدا شريدا فزعا مرعوبا لا تأمن من تراه ، فأخذ بيد أخته إقليما وهرب بها إلى عدن من أرض اليمن ، فأتاه إبليس فقال له : إنما أكلت النار قربان هابيل لأنه كان يعبد النار فانصب أنت أيضا نارا تكون لك ولعقبك ، فبنى بيتا للنار فهو أوّل من عبد النار ، وكان لا يمرّ به أحد من ولده إلا رماه ، فأقبل ابن له أعمى ومعه ابن له ، فقال ابنه : هذا أبوك قابيل ، فرمى الأعمى أباه فقتله ، فقال ابن الأعمى : قتلت أباك؟ فرفع يده فلطم ابنه ، فمات فقال الأعمى : ويل لي قتلت أبي برميتي وقتلت ابني بلطمتي.
وقال مجاهد : فعلقت إحدى رجلي قابيل إلى فخذها وساقها وعلقت [من يومئذ إلى](٢) يوم القيامة ووجهه إلى الشمس [حيث](٣) ما دارت عليه في الصيف حظيرة من نار وفي الشتاء حظيرة من ثلج ، قالوا : واتخذ أولاد قابيل آلات اللهو من اليراع والطبول والمزامير والعيدان والطنابير ، وانهمكوا في اللهو وشرب الخمر وعبادة النار والزنا والفواحش حتى أغرقهم الله بالطوفان أيام نوح عليهالسلام ، وبقي نسل شيث (٣).
__________________
(١) باطل ، لا أصل له عن ابن عباس ، والحمل فيه على مقاتل بن سليمان ، فإنه كذاب وصناع ، والضحاك لم يلق ابن عباس.
(٢) لا يصح هذا عن ابن عباس ، ذكره الثعلبي في «قصصه» ص ٣٩ بقوله : روي عن ابن عباس ، وهو باطل لا يصح ، إذ كيف يحفظ ما قاله آدم إلى زمن يعرب بن قحطان.
(٣) هذه الآثار مصدر كتب الأقدمين لا حجة في شيء منها.
__________________
(١) في المطبوع العبارة «واسمه عبد الله».
(٢) في المطبوع «منها فهو معلق إلى».
(٣) زيادة عن المخطوط.
![تفسير البغوي [ ج ٢ ] تفسير البغوي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3895_tafsir-albaghawi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
