أنه يقتله لا محالة وطّن نفسه على الاستسلام طلبا للثواب فكأنه صار مريدا لقتله مجازا ، وإن لم يكن مريدا حقيقة ، وقيل : معناه إني أريد أن تبوء بعقاب قتلي فيكون إرادة صحيحة لأنها موافقة لحكم الله عزوجل ، فلا يكون هذا إرادة للقتل بل لموجب القتل من الإثم والعقاب ، (فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ).
قوله عزوجل : (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ) ، أي : طاوعته وشايعته وعاونته ، (قَتْلَ أَخِيهِ) في قتل أخيه ، وقال مجاهد : فشجعته ، وقال قتادة : فزيّنت له نفسه ، وقال يمان : سهّلت له ذلك ، أي : جعلته سهلا ، تقديره : صوّرت له نفسه أن قتل أخيه طوع له أي سهل عليه فقتله فلما قصد قابيل قتله لم يدر كيف يقتله ، قال ابن جريج : فتمثل له إبليس وأخذ طيرا فوضع رأسه على حجر ثم شدخ رأسه بحجر آخر وقابيل ينظر إليه فعلّمه القتل ، فرضخ (١) قابيل رأس هابيل بين حجرين ، قيل : قتل وهو مستسلم ، وقيل : اغتاله وهو في النوم فشدخ رأسه فقتله ، وذلك قوله تعالى : (فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ) ، وكان لهابيل يوم قتل عشرون سنة ، واختلفوا في موضع قتله (٢) ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : على جبل ثور (٣) ، وقيل : عند عقبة حراء ، فلما قتله تركه بالعراء ولم يدر ما يصنع به لأنه كان أول ميت على وجه الأرض من بني آدم ، وقصدته السباع فحمله في جراب على ظهره أربعين يوما ، وقال ابن عباس : سنة حتى أروح ، وعكفت عليه الطير والسباع تنتظر متى يرمي به فتأكله ، فبعث الله غرابين فاقتتلا ، فقتل أحدهما صاحبه ثم حفر له بمنقاره وبرجله حتى مكّن له ثم ألقاه في الحفر وواراه ، وقابيل ينظر إليه ، فذلك قوله تعالى :
(فَبَعَثَ اللهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١))
(فَبَعَثَ اللهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ) ، فلما رأى قابيل ذلك (قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي) ، أي : جيفته ، وقيل : عورته لأنه [كان](٤) قد سلب ثيابه ، (فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ) ، على حمله على عاتقه لا على قتله ، وقيل : على فراق أخيه ، وقيل : ندم لقلة النفع بقتله فإنه أسخط والديه ، وما انتفع بقتله شيئا ولم يكن ندمه على القتل وركوب الذنب ، قال المطلب بن عبد الله بن حنطب : لما قتل ابن آدم أخاه رجفت (٥) الأرض بما عليها سبعة أيام ثم شربت الأرض دمه كما يشرب الماء ، فناداه آدم (٦) : أين أخوك هابيل؟ قال : ما أدري ما كنت عليه رقيبا ، فقال آدم (٦) : إن دم أخيك ليناديني من الأرض ، فلم قتلت أخاك؟ قال : فأين دمه إن كنت قتلته؟ فحرّم الله عزوجل على الأرض يومئذ أن تشرب دما بعده أبدا ، وقال مقاتل بن سليمان عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما : لما قتل قابيل هابيل وآدم عليهالسلام بمكة اشتاك الشجر وتغيّرت الأطعمة وحمضت الفواكه ، وأمرّ الماء واغبرت الأرض ، فقال آدم عليهالسلام : قد حدث في الأرض حدث ، فأتى الهند
__________________
(١) في المخطوط «فوضع».
(٢) زيد في ط ، زيادة ليست في المخطوطين ولا المطبوع.
(٣) في المخطوط «نوذ».
(٤) زيادة عن المخطوط.
(٥) في المطبوع وحده «وجفت».
(٦) في المخطوطين وط «الله» بدل «آدم» والمثبت أقرب للصواب لأن الله تعالى لا يكلم الظلمة والفسقة ، وهذا إن ثبت هذا الأثر ولم يثبت فإنه متلقى عن كتب الأقدمين.
![تفسير البغوي [ ج ٢ ] تفسير البغوي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3895_tafsir-albaghawi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
