غنيمة». (وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ) ، إحدى السوأتين إمّا (أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ) ، فيهلككم كما أهلك الأمم الخالية ، (أَوْ بِأَيْدِينا) ، أو بأيدي المؤمنين إن أظهرتم ما في قلوبكم ، (فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ) ، قال الحسن : فتربّصوا مواعيد الشيطان إنا متربصون مواعيد الله من إظهار دينه واستئصال من خالفه.
(قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ (٥٣) وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كارِهُونَ (٥٤) فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٥٥))
(قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً) ، أمر بمعنى الشرط والجزاء ، أي : إن أنفقتم طوعا أو كرها ، نزلت في جد بن قيس حين استأذن في القعود ، قال : أعينكم بمالي ، يقول : إن أنفقتم طوعا أو كرها (لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ) ، أي : لأنكم ، (كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ).
(وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ) ، قرأ حمزة والكسائي : يقبل ، بالياء لتقدم (١) الفعل ، وقرأ الباقون : بالتاء لأن الفعل مسند إلى جمع مؤنث وهو النفقات ، فأنّث الفعل ليعلم أن الفاعل مؤنث ، (نَفَقاتُهُمْ) ، صدقاتهم ، (إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ) ، أي : المانع من قبول نفقاتهم كفرهم ، (وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى) ، متثاقلون لأنهم لا يرجون على أدائها ثوابا ولا يخافون على تركها عقابا ، فإن قيل : كيف ذكر (٢) الكسل في الصلاة ولا صلاة لهم أصلا؟ قيل : الذم واقع على الكفر الذي يبعث على الكسل ، فإن الكفر مكسل والإيمان منشط ، (وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ) ، لأنهم يعدّونها مغرما ومنعها مغنما.
(فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ) ، والإعجاب هو السرور بما يتعجّب منه ، يقول : لا تستحسن ما أنعمنا عليهم من الأموال والأولاد لأن العبد إذا كان من الله في استدراج كثّر الله ماله وولده ، (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) ، فإن قيل أي تعذيب في المال والولد وهم يتنعّمون بها في الحياة الدنيا؟ قيل : قال مجاهد وقتادة : في الآية تقديم وتأخير ، تقديره : فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنّما يريد الله ليعذّبهم بها في الآخرة. وقيل : التعذيب بالمصائب الواقعة في المال والولد. وقال الحسن : يعذّبهم بها في الدنيا بأخذ الزكاة منها ، والنفقة في سبيل الله. وقيل : يعذبهم بالتعب في جمعه ، والوجل في حفظه والكره في إنفاقه ، والحسرة على تخليفه عند من لا يحمده ، ثم يقدم على ملك [لا](٣) يعذره. (وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ) ، أي : تخرج ، (وَهُمْ كافِرُونَ) ، أي : يموتون على الكفر.
(وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧) وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨))
__________________
(١) في المخطوط «لتقديم».
(٢) في المطبوع «ذمّ» والمثبت عن المخطوط.
(٣) زيادة عن المخطوط.
![تفسير البغوي [ ج ٢ ] تفسير البغوي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3895_tafsir-albaghawi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
