فلما استقرت لبني إسرائيل الدار بمصر أمرهم الله تعالى بالسير إلى أريحا من أرض الشام وهي الأرض المقدسة ، وكانت (١) لها ألف قرية في كل قرية ألف بستان ، وقال : يا موسى إني كتبتها لكم دارا وقرارا فاخرج إليها وجاهد من فيها من العدو فإني ناصرك عليهم ، وخذ من قومك اثني عشر نقيبا من كل سبط نقيبا ، يكون كفيلا على قومه بالوفاء منهم على ما أمروا به ، فاختار موسى النقباء وسار موسى ببني إسرائيل حتى قربوا من أريحا [وهي مدينة الجبارين](٢) ، فبعث هؤلاء النقباء يتجسّسون له الأخبار ويعلمون علمها ، فلقيهم رجل من الجبابرة يقال له عوج بن عنق ، وكان طوله ثلاثة آلاف وثلاثمائة وثلاث وثلاثين ذراعا وثلث ذراع ، وكان يحتجز بالسحاب ويشرب منه ويتناول الحوت من قرار البحر فيشويه بعين الشمس يرفعه إليها ثم يأكله. ويروى أن الماء في زمن نوح عليهالسلام طبق ما على الأرض من جبل وما جاوز ركبتي عوج (٣) ، وعاش ثلاثة آلاف سنة حتى أهلكه الله على يدي موسى عليهالسلام ، وذلك أنه جاء وقلع صخرة من الجبل على قدر عسكر موسى عليهالسلام ، وكان فرسخا في فرسخ ، وحملها ليطبقها عليهم فبعث الله الهدهد فقوّر الصخرة بمنقاره فوقعت في عنقه فصرعته ، فأقبل موسى عليهالسلام وهو مصروع فقتله ، وكانت أمه عنق إحدى بنات آدم وكان مجلسها جريبا من الأرض ، فلما لقي عوج النقباء وعلى رأسه حزمة حطب أخذ الاثني عشر وجعلهم في حجزته وانطلق بهم إلى امرأته ، وقال : انظري إلى هؤلاء الذين يزعمون أنهم يريدون قتالنا ، وطرحهم بين يديها وقال : ألا أطحنهم برجلي؟ فقالت امرأته : لا بل خلّ عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا ، ففعل ذلك. وروي : أنه جعلهم في كمّه وأتى بهم إلى الملك فنثرهم بين يديه ، فقال الملك : ارجعوا فأخبروهم بما رأيتم ، وكان لا يحمل عنقودا من عنبهم إلا خمسة أنفس منهم في خشبة ، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع منها حبها خمسة أنفس ، فرجع النقباء وجعلوا يتعرفون أحوالهم ، وقال بعضهم لبعض : يا قوم ، إنكم إن أخبرتم بني إسرائيل خبر القوم ارتدوا عن نبيّ الله ولكن اكتموا (١) ، وأخبروا موسى وهارون فيريان رأيهما وأخذ بعضهم على بعض الميثاق بذلك ، ثم أنهم نكثوا العهد وجعل كل واحد منهم ينهى سبطه عن قتالهم ويخبرهم بما رأى إلّا رجلان ، فذلك قوله تعالى : (وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً). (وَقالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ) ، ناصركم على عدوّكم ، ثم ابتدأ الكلام فقال : (لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ) ، يا معشر بني إسرائيل ، (وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ) ، نصرتموهم ، وقيل : وقّرتموهم وعظّمتموهم ، (وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً) ، قيل : هو إخراج الزكاة ، وقيل : هو النفقة على الأهل ، (لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ) ، لأمحونّ عنكم سيئاتكم ، (وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ) ، أي : أخطأ قصد السبيل ، يريد طريق الحق ،
__________________
(١) هذه الأخبار من الإسرائيليات وقد قال الحافظ ابن كثير في «التفسير» (٢ / ٥٠) بعد أن ذكر بعض هذه الأخبار : وهذا شيء يستحيا من ذكره ثم هو مخالف لما ثبت في الصحيح أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : «إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا ، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن».
__________________
(١) في المطبوع وحده «كان».
(٢) زيد في المطبوع.
(٣) هذه الأخبار من مجازفات الإسرائيليين وترّهاتهم وأساطيرهم ، وفي مثل هذه مخالفة صريحة لكتاب الله تعالى فقد قال تعالى : (قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ) والمراد من ركب في السفينة وآمن. وكل ما ورد في صفة عوج وأخباره إسرائيلي ، حتى وجود شخص يسمى بذلك لم يثبت ، ولعله وهم أو ضرب من الخيال ، فتنبه والله أعلم.
![تفسير البغوي [ ج ٢ ] تفسير البغوي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3895_tafsir-albaghawi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
