وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً (١٧٥))
قوله تعالى : (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ) :
ع [٧٣٥] وذلك أنّ وفد نجران قالوا : يا محمد إنك تعيب صاحبنا فتقول : إنه عبد الله ورسوله ، فقال النبي صلىاللهعليهوسلم : «إنّه ليس بعار لعيسى (١) عليهالسلام أن يكون عبدا لله» ، فنزل : (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ) لن يأنف ولن يتعظم ، والاستنكاف : التكبر مع الأنفة ، (وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) ، وهم حملة العرش ، لا يأنفون أن يكونوا عبيدا لله ، ويستدل بهذه الآية من يقول بتفضيل الملائكة على البشر ، لأن الله تعالى ارتقى من عيسى إلى الملائكة ولا يرتقى إلّا إلى الأعلى ، لا يقال : لا يستنكف فلان من كذا ولا عبده ، إنّما يقال : فلان لا يستنكف من هذا ولا مولاه ، ولا حجة لهم فيه لأنه لم يقل ذلك رفعا لمقامهم على مقام البشر ، بل ردا على الذين يقولون الملائكة آلهة ، كما ردّ على النصارى قولهم المسيح ابن الله ، وقال ردا على النصارى بزعمهم ، فإنهم يقولون بتفضيل الملائكة. قوله تعالى : (وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً) ، قيل : الاستنكاف هو التكبر مع الأنفة ، والاستكبار : هو العلو والتكبر من غير أنفة.
(فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ) ، من التضعيف ، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، (وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا) ، عن عبادته ، (فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً).
قوله عزوجل : (يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ) ، يعني : محمدا صلىاللهعليهوسلم ، هذا قول أكثر المفسرين ، وقيل : هو القرآن ، والبرهان : الحجّة ، (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً) ، بيّنا يعني القرآن.
(فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ) ، امتنعوا به من زيغ الشيطان ، (فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ) ، يعني الجنّة ، (وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً).
(يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦))
قوله تعالى : (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ)
ع [٧٣٦] نزلت في جابر بن عبد الله رضي الله عنه ، قال : عادني (٢) رسول الله صلىاللهعليهوسلم وأنا مريض لا أعقل ، فتوضأ وصبّ عليّ من وضوئه ، فعقلت (٣) فقلت : يا رسول الله لمن الميراث وإنما (٤) يرثني كلالة؟ فنزلت
__________________
ع [٧٣٥] ـ باطل. ذكره الواحدي في «أسباب النزول» (٣٧٧) عن الكلبي بلا سند ، والكلبي متهم لا حجة فيه.
ع [٧٣٦] ـ صحيح. أخرجه مسلم ١٦١٦ ح ٥ من حديث جابر بتمامه. وأخرجه البخاري ١٩٤ و ٥٦٧٦ و ٦٧٤٣ وفيه «حتى نزلت آية الفرائض» بدل قوله تعالى (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ) وانظر ما تقدم برقم : ٥٣٧.
__________________
(١) في المطبوع «بعيسى».
(٢) تصحف في المخطوط «دعاني».
(٣) تصحف في المطبوع «فعلقت».
(٤) تصحف في المطبوع «إنهما».
![تفسير البغوي [ ج ١ ] تفسير البغوي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3894_tafsir-albaghawi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
